المرأة اللبنانية في زمن الحرب: حارسة الحياة تحت النار | استعراض مقال فاروق غانم خدّاج في ايلاف

نُشر هذا المقال في موقع إيلاف بتوقيع الأستاذ فاروق غانم خدّاج بتاريخ 7 مارس 2026، ويتناول واقع المرأة اللبنانية في زمن الحرب بوصفها إحدى أكثر الفئات تحمّلًا لآثار الصراع العسكري والتوترات المتصاعدة في لبنان، خصوصًا في ظل المواجهات بين حزب الله وإسرائيل.

يقدّم المقال قراءة إنسانية واجتماعية لدور المرأة اللبنانية في حماية استمرارية الحياة اليومية رغم الخوف والنزوح وتضاعف المسؤوليات، مسلطًا الضوء على كيفية تحوّل النساء إلى عماد أساسي لصمود المجتمع في لحظات الأزمات.

يبدأ المقال بتأمل رمزية اليوم العالمي للمرأة في بلد يعيش على إيقاع الحرب. ففي ظروف طبيعية يكون هذا اليوم مناسبة للاحتفال بإنجازات النساء، لكن في لبنان يتحول إلى لحظة مراجعة لمعنى البقاء نفسه. فـ المرأة اللبنانية في زمن الحرب لا تظهر مجرد متلقٍ لنتائج الصراع، بل تصبح طرفًا أساسياً في معركة الصمود اليومي. إذ تتحول الحرب، التي تبدو في ظاهرها مواجهة عسكرية، إلى تجربة إنسانية قاسية يعيشها المدنيون، وفي مقدمتهم النساء اللواتي يجدن أنفسهن أمام مسؤوليات إضافية في حماية الأسرة وضمان استمرار الحياة.

يربط المقال الحاضر بالتاريخ، مشيرًا إلى أن المرأة اللبنانية في زمن الحرب ليست ظاهرة طارئة. فالنساء في لبنان اعتدن مواجهة الأزمات منذ الحرب الأهلية مرورًا بالأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة وصولًا إلى الانهيار المالي الذي ضرب البلاد في السنوات الأخيرة. غير أن التصعيد العسكري الأخير أعاد إحياء ذاكرة النزوح والخوف من المجهول، وهي ذاكرة جماعية ظن كثيرون أنها أصبحت جزءًا من الماضي. فالحروب في لبنان، كما يصفها المقال، لا تنتهي بالكامل بل تعود بأشكال مختلفة، حاملة معها القلق ذاته من جيل إلى آخر.وفي وصف مشاهد النزوح، يقدّم المقال صورة إنسانية مكثفة: امرأة تجمع بسرعة ما تستطيع حمله، تمسك طفلها بيد، وتحمل في يد أخرى بقايا عالمها المنزلي الذي تركته خلفها. فالبيت بالنسبة إلى المرأة ليس مجرد مكان للسكن، بل منظومة كاملة من التفاصيل والعلاقات اليومية التي بنتها بجهد طويل. وعندما تضطر إلى مغادرته، فإنها لا تفقد مأوى فحسب، بل تفقد جزءًا من استقرارها النفسي والإنساني. وهكذا يتجلى أحد أوجه المرأة اللبنانية في زمن الحرب بوصفها شاهدة على خسارة المكان ومحاولة إعادة بناء الشعور بالأمان.

يشير المقال كذلك إلى تنوع التجارب النسائية خلال الحرب. فهناك نساء في الجنوب يهربن من القصف، وأخريات في بيروت يفتحن بيوتهن لاستقبال النازحين، بينما تراقب نساء في مناطق أخرى الأخبار بقلق على أفراد عائلاتهن في مناطق التوتر. ورغم اختلاف المواقع الجغرافية، فإن المشترك بين هذه التجارب هو الدور الذي تؤديه النساء في الحفاظ على تماسك العائلة. في كل هذه الحالات تبقى المرأة اللبنانية في زمن الحرب بمثابة الحارسة اليومية للبيت وللذاكرة العائلية.

يتوقف المقال مطولًا عند دور النساء في أماكن الإيواء المؤقتة، حيث تتكدس العائلات في المدارس والقاعات العامة. ففي هذه البيئات غير المستقرة تبدأ النساء غالبًا بتنظيم تفاصيل الحياة من جديد: توزيع الطعام، رعاية الأطفال، ومحاولة خلق شعور بالطمأنينة داخل بيئة يغلب عليها القلق. هنا تظهر صورة المرأة بوصفها “المهندسة الخفية للحياة اليومية”، تلك التي تعيد بناء إيقاع الحياة حتى في أكثر اللحظات اضطرابًا. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يبرز معنى المرأة اللبنانية في زمن الحرب كقوة خفية تحافظ على الاستقرار الاجتماعي.

يعرض المقال أيضًا جانبًا إنسانيًا مؤثرًا في حياة النساء خلال الحرب، مثل الأم التي تحكي قصة لطفلها قبل النوم بينما يتردد صوت الطائرات في الخارج، أو تلك التي تقف في طابور طويل للحصول على دواء لطفلها. هذه المشاهد اليومية البسيطة تتحول، في سياق الحرب، إلى شكل من أشكال البطولة الصامتة. فالنساء لا يكتفين بالتأقلم مع الظروف، بل يعملن باستمرار على حماية الأطفال من آثار الخوف.

لكن المقال يلفت الانتباه إلى أن القوة الظاهرة للنساء تخفي وراءها قلقًا عميقًا. فـ المرأة اللبنانية في زمن الحرب تحاول غالبًا أن تبدو قوية أمام عائلتها، بينما تحمل في داخلها مخاوف كبيرة تتعلق بفقدان المنزل أو إصابة أحد أفراد الأسرة أو مستقبل غير واضح المعالم. وهي تتحمل عبئًا نفسيًا مضاعفًا لأنها تشعر بأنها مطالبة دائمًا بالصمود، حتى في اللحظات التي تحتاج فيها إلى من يساندها.

ولا يقتصر دور النساء على المجال العائلي، إذ يشير المقال إلى حضورهن في مجالات مختلفة خلال الحرب: طبيبات وممرضات يعملن في المستشفيات القريبة من مناطق التوتر، متطوعات في المبادرات الإنسانية، صحفيات يوثقن الأحداث، وشابات يطلقن حملات تضامن عبر وسائل التواصل الاجتماعي. في كل هذه المجالات تظهر المرأة اللبنانية في زمن الحرب بوصفها عنصرًا فاعلًا في المجتمع، لا مجرد ضحية للأحداث.

كما يتطرق المقال إلى الأثر الخفي للحروب على الأحلام الشخصية للنساء. فكثيرات كنّ يخططن لمشاريع أو مراحل جديدة في حياتهن، لكن الحرب تجبرهن على تأجيل هذه الخطط والانشغال بمتطلبات البقاء. فالحرب، كما يوضح النص، لا تدمّر البيوت فحسب، بل تؤجل أيضًا مسارات الحياة الفردية، وتسرق من النساء جزءًا من المستقبل الذي كان يمكن أن يتحقق.

ورغم كل ذلك، يبرز المقال قدرة المرأة اللبنانية في زمن الحرب على تحويل الألم إلى قوة. فالنساء كنّ عبر تاريخ لبنان عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على استمرارية المجتمع، سواء من خلال دعم التعليم في أوقات الأزمات أو الحفاظ على تماسك العائلات في ظل الانقسامات. هذا الدور يتجاوز العائلة ليشمل المجتمع كله، لأن النساء غالبًا ما يسعين إلى الحفاظ على الروابط الإنسانية في أوقات الانقسام.

ويختتم المقال بالتأكيد على أن تقدير دور المرأة لا يجب أن يقتصر على كلمات الإشادة. فالحروب تزيد من هشاشة أوضاع النساء اقتصاديًا واجتماعيًا، وتفرض عليهن تحديات كبيرة في العمل والتعليم والرعاية الصحية. لذلك فإن دعم المرأة اللبنانية في زمن الحرب ليس مجرد قضية اجتماعية أو ثقافية، بل ضرورة أساسية لتمكين المجتمع من التعافي بعد انتهاء الصراعات.

في النهاية يقدّم المقال صورة رمزية قوية: المرأة اللبنانية في زمن الحرب تشبه لبنان نفسه؛ متعبة لكنها صامدة، مجروحة لكنها قادرة على الاستمرار. فبينما قد لا تستطيع النساء إيقاف الحروب، فإنهن يقمن يوميًا بفعل بالغ الأهمية، وهو الحفاظ على استمرار الحياة. ومن خلال هذه القدرة على إعادة بناء الأمل، تظل المرأة اللبنانية أحد أهم أسباب بقاء المجتمع اللبناني رغم كل الأزمات.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn