ربما لم أكن أعلم يومها أن كتابًا صغيرًا بثمن منقوشة سيصبح نواة مكتبة الروح.
لا أذكر إن كانت السماء تمطر في ذلك اليوم، ربما كانت صافية، وربما ملبّدة بالغيوم. التفاصيل الصغيرة كثيرًا ما تخون الذاكرة، لكنني أذكر شيئًا واحدًا بوضوح: كنت صبيًا صغيرًا يقف أمام بائع كتب مستعملة، وفي يده ثمن منقوشة كان يمكن أن يملأ معدته ساعة من الزمن. غير أن شيئًا في داخلي قال لي إن الجوع يمكن احتماله قليلًا، أما الجهل فلا احتمال له.
اشتريت الكتاب.ربما لم يكن ذلك الكتاب عظيمًا في ميزان النقاد، لكنه بالنسبة إليّ كان بابًا صغيرًا فُتح على عالم لا نهاية له. منذ تلك اللحظة بدأت علاقة طويلة مع الكتاب، علاقة لم تكن قراءة عابرة، بل صداقة حقيقية تنمو مع الأيام.
كنت أقرأ بنهم شديد، كأنني أحاول تعويض شيء ما. لم تكن القراءة مجرد هواية، بل ضرورة داخلية، أشبه بنهر خفي يجري في أعماق الروح. كنت أشتري ما أستطيع من الكتب القليلة الثمن، وأعود بها إلى البيت كما يعود المرء بكنز صغير. من تلك الكتب التي تركت أثرًا مبكرًا في نفسي: النبي لـ جبران خليل جبران، ومرداد لـ ميخائيل نعيمه، إضافة إلى كتب أدبية أخرى فتحت لي أبواب التأمل في اللغة والإنسان.
ومع مرور السنوات بدأت أدوّن ما أقرأه، فوجدت نفسي ألخّص الكتب واحدًا بعد آخر، حتى بلغت تلخيصات قراءاتي نحو أربعمئة وأحد عشر كتابًا. لم أفعل ذلك بدافع التباهي، بل لأنني كنت أشعر أن الكتاب لا يصبح جزءًا من وعينا إلا عندما نعيد صياغته في ذاكرتنا ونحاوره بلغتنا الخاصة.
بعد تلك المرحلة شعرت أن القراءة وحدها لا تكفي. كنت بحاجة إلى أدوات أعمق لفهم ما قرأته، فاقتربت من كتب النقد الأدبي. كان من أكثرها تأثيرًا كتاب الغربال لـ ميخائيل نعيمه، الذي علّمني أن الأدب لا يُفهم بالمديح المجاني أو الأحكام السريعة، بل بالغوص في النص حتى يظهر جوهره. ثم جاء حديث الأربعاء لـ طه حسين ليعلمني كيف يمكن للنقد أن يكون معرفة ومتعة في آن واحد، بينما فتح لي كتاب مع المتنبي بابًا آخر لفهم الشعر العربي بوصفه تجربة إنسانية عميقة.
شيئًا فشيئًا بدأت أشعر أن القراءة تدفعني نحو الكتابة كما يدفع النبع الماء إلى مجراه الطبيعي. لم تكن الكتابة قرارًا متعمدًا بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لتلك الرحلة الطويلة مع الكتب. الكلمات التي قرأتها لسنوات أخذت تتجمع في داخلي حتى وجدت نفسي أكتب.
كتبت المقالة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، وإذا بي أدخل عالم الصحافة الأدبية من باب لم أخطط له. ومع الوقت نشرت عشرات المقالات في صحف ومجلات عربية، وكان للصفحات الثقافية في جريدة النهار حضور خاص في هذه الرحلة، لأنها منبر ثقافي عريق يشعر الكاتب فيه أنه يتحاور مع تقليد طويل من الفكر والأدب.
لم تكن الطريق سهلة. مهنة التدريس في لبنان تمنح الإنسان غنى الروح، بينما يبقى القلق المادي يطرق الباب أحيانًا. ومع ذلك بقي الكتاب رفيق الطريق. كنت أشتري الكتب في ظروف صعبة، وأعود إليها كما يعود المرء إلى صديق قديم يعرف أنه لن يخونه.
في تلك الرحلة وصلني تشجيع كريم من بعض الأساتذة والمثقفين الذين قرأوا ما أكتب، ومنهم الدكتور لويس صليبا، والأستاذ هنري زغيب، والدكتور ميخائيل مسعود. لم تكن كلماتهم مجاملة عابرة، بل إشارة طيبة جعلتني أشعر أن الجهد الطويل الذي بدأ بكتاب صغير صار يجد صداه في قلوب القراء.
وعندما أعود بذاكرتي اليوم إلى ذلك الصبي الذي وقف يومًا أمام بائع الكتب، أدرك أن القرار البسيط الذي اتخذه كان بداية طريق طويل. فالكتاب الذي اشتريته بثمن منقوشة لم يكن مجرد أوراق مطبوعة، بل البذرة الأولى لمكتبة كبرت مع الزمن، حتى صارت مكتبة في البيت، وأخرى في الروح.واليوم، بعد سنوات طويلة من القراءة والكتابة، ما زلت أشعر أن ذلك الصبي لم يغادرني. إنه يقف في داخلي كلما دخلت مكتبة أو فتحت كتابًا جديدًا، بعينين مليئتين بالفضول نفسه.
ذلك الطفل لا يزال حيًا في أعماقي، يكتشف في كل كتاب ضوءًا صغيرًا يربط بين الماضي والحاضر، ويترك أثره منقوشًا في الروح، ليظل نبراسًا يضيء طريق مكتبة الروح التي بدأت منذ أول كتاب اشتريته بثمن منقوشة.



