حين يزور البابا مدرسة الوطن: قراءة تربوية في نور يهبط على لبنان. بقلم فاروق غانم خدّاج

في اللحظة التي يهبط فيها البابا لاوون الرابع عشر على أرض لبنان، لا يكون الحدث سياسيًا ولا دينيًا فحسب؛ بل يصبح، من حيث جوهره، درسًا تربويًا يُسجَّل في دفتر هذا البلد الذي يعيش منذ سنوات طويلة أزمة قيم قبل أن تكون الأزمة أزمة اقتصاد أو مؤسسات.

فالزيارة البابوية، بكل رموزها الروحية، تتجاوز بروتوكول الاستقبال والقداديس، لتقدّم لنا فرصة نادرة ننظر فيها إلى التربية بوصفها رسالة سلام، وإلى التعليم بوصفه طريقًا للخروج من الظلام الذي أثقل عقول الأجيال.

إن لبنان اليوم أشبه بمدرسة كبيرة أُغلقت أبوابها الروحية، وتهاوت جدران القيم فيها، ووقف طلابها في العراء ينتظرون من يعيد إليهم معنى الحلم. وحين يأتي البابا إلى هذه الأرض، فإن حضوره يبدو كأنه صفّ مفتوح يعلّمنا فيه العالم معنى العيش معًا، وكيف يمكن للإيمان بالإنسان أن يصبح منهجًا تربويًا في ذاته.

التربية التي فقدت نورهالا أحد ينكر أنّ التربية في لبنان تعيش واحدة من أصعب مراحلها. انهيار اقتصادي، نزوح واسع، هجرة معلمين، وتفكّك أثقل النظام التعليمي حتى صار التعليم نفسه سؤالًا وجوديًا. المدارس لم تعد مجرّد مؤسسات تعليم، بل تحوّلت إلى ساحات صراع بين الإمكانات المعدومة والواجبات المستحيلة. أما الأسرة، التي كانت في يوم ما المدرسة الأولى، فقد أنهكتها الضغوط حتى باتت معارك الحياة اليومية تلتهم وقتها وتسرق منها القدرة على تنشئة متوازنة.

في هذه الظروف، تبدو الزيارة البابوية كأنها رسالة تذكير: لا نهضة بلا تربية، ولا دولة بلا إنسان متعلم، ولا مجتمع بلا قيم مشتركة تحميه من السقوط.

فالتعليم ليس رزمة دفاتر، ولا مقررات جامدة، بل هو صناعة إنسان قادر على فهم ذاته وفهم الآخر. والبابا، بصفته رمزًا عالميًا للحوار والسلام، يضع أمامنا نموذجًا لما يجب أن يكون عليه التعليم في لبنان: تعليم قائم على احترام الكرامة الإنسانية، وعلى بناء عقول قادرة على التفكير النقدي لا مجرد حفظ النصوص.

لبنان كفضاء للتلاقي بين الروح والمعرفةلطالما كان لبنان مختبرًا للتعدد، وجسرًا بين الشرق والغرب، وأرضًا جمعت الأديان والثقافات. هذا الإرث، لو استثمرناه تربويًا، لكان أعظم رأسمال نملكه. فالمدرسة اللبنانية قادرة، إذا أرادت الدولة وأرادت إدارات المدارس، أن تُحوّل هذا التعدد إلى مادة تعليمية تمنح الطلاب قدرة استثنائية على العيش المشترك.

هنا بالتحديد، يتقاطع معنى الزيارة البابوية مع رؤية تربوية أوسع: كيف نُعيد إلى الطالب اللبناني ثقته بأن الاختلاف ليس تهديدًا بل ثراءً؟كيف نعلّمه أن الحوار قيمة، وأن القيم الروحية لا تنفصل عن العلم، وأن الإنسان لا يُبنى بالمعلومات وحدها بل بتربية قلبه وروحه؟زيارة البابا، بما تحمله من رموز للسلام، تصلح لأن تكون لحظة يدمج فيها المعلّمون هذا الحدث في الدروس؛ فيكتب التلميذ عن معنى اللقاء بين الثقافات، وتناقش الصفوف مفهوم التسامح، ويقرأ الطلاب سِيَرًا عن شخصيات أدّت أدوارًا جامعة في التاريخ. إن تحويل الزيارة إلى حدث تربوي يجعل البابا، ولو لساعات، معلمًا يحاضر في أذهان الصغار قبل أن يخاطب الكبار.

نحو “منهج إنساني” جديد للبنانأزمة التربية ليست في التمويل وحده، بل في الفلسفة التي تحكم النظام التعليمي. نحن نحتاج إلى مناهج تربوية جديدة تُعيد تعريف أهداف التعليم:

– تعليم يفتح العقل بدل أن يكدّسه.

– تعليم يحرّر لا يقيّد.– تعليم يصنع مبادرات لا امتحانات فقط.

– تعليم يضع الإنسان محورًا، لا النجاح الرقمي وحده.

وهذا بالضبط ما يذكّرنا به قدوم البابا: أن التربية الحقيقية هي التي تبني الإنسان الحر، القادر على إحداث تغيير في محيطه. إن تعزيز هذا النوع من التربية يتطلب منّا أن نعيد النظر في كل شيء، من طريقة إعداد المعلم إلى طريقة تصميم الحصة، ومن علاقة المدرسة بالأسرة إلى علاقة الطالب بالمجتمع.

رسالة البابا إلى المعلمين: أنتم حرّاس الأملقد يكون أهم ما يجب التوقف عنده في هذه الزيارة هو الرسالة الضمنية الموجّهة إلى المعلم اللبناني. هذا المعلم الذي صمد حين انهارت المؤسسات، ودرّس حين فقد راتبه قيمته، وأعطى من قلبه حين لم يحصل على الحد الأدنى من حقوقه.

يحمل البابا، في حضوره، معنى التضامن مع هؤلاء: فكل من يعلّم طفلًا يقدّم خدمة للبشرية. وكل من يحفظ شعلة المعرفة في زمن الانهيار، إنما يرتقي بعمله إلى مصاف الرسالة.

ولهذا، فإن الزيارة فرصة لأن يعاد النظر في مكانة المعلّم: ليس كموظف، بل كقائد أخلاقي يُبنى على كتفيه مستقبل وطن.

لحظة لبنانية تتجاوز الاحتفالات

ليس المطلوب أن يملأ الناس الشوارع، ولا أن تُرفع الصور واللافتات، بل أن نملأ المدارس بأفكار جديدة. أن تتحول الزيارة إلى محطة لإطلاق ورش تربوية:

– تعزيز التربية الدينية المشتركة التي تُعلّم احترام الآخر.

– تطوير برامج الحوار والسلام في المدارس.

– إدخال مواد تتناول تاريخ التلاقي بين الحضارات.

– تدريب المعلمين على مقاربات تربوية تُخرج الطالب من ثقافة الانغلاق.

بهذه الخطوات، يمكن للبنان أن يحوّل الزيارة إلى بداية نهضة تعليمية لا إلى حدث عاطفي يمرّ ثم يختفي.

خاتمة: البابا يزور لبنان… فهل نزور نحن مستقبلنا؟

زيارة البابا لا تغيّر لبنان إن لم نغيّر نحن طريقة تفكيرنا.

هي فرصة، لا معجزة.

ولكن ما من نهضة تبدأ بلا فكرة، ولا من فكرة تنمو بلا تعليم، ولا من تعليم يزدهر بلا تربية إنسانية تعيد إلينا قدرتنا على النظر إلى الآخر بوصفه شريكًا في المصير.

إن البابا، في لحظة نزوله على أرض بيروت، يشبه معلمًا يفتح باب الصف ويقول لنا: “ابدأوا من جديد… ليس بالكراهية بل بالمعرفة، وليس بالانقسام بل بالقيم، وليس بالخوف بل بالأمل.”

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn