زيادة الأساتذة في زمن انحسار الطلاب: خلل في التخطيط أم استثمار في التعليم؟ Beirut AI

الجامعة اللبنانية في مفارقة ديموغرافية: أساتذة أكثر وطلاب أقل

تواجه الجامعة اللبنانية مفارقة تتجاوز ملف التفرغ إلى جوهر التخطيط التربوي وإدارة المال العام: في الوقت الذي يتراجع فيه عدد الطلاب، يتجه عدد الأساتذة نحو الارتفاع، بما يطرح تساؤلات جدية حول مدى ارتباط القرارات الإدارية بالحاجات الفعلية للمؤسسة الأكاديمية، وقدرتها على التكيف مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية التي يشهدها لبنان.

تكمن المشكلة في أن التوسع في الجهاز التعليمي لا يبدو مترافقاً مع توسع مماثل في قاعدة الطلاب. فالمؤسسة الجامعية تحتاج، بطبيعة الحال، إلى كادر أكاديمي مستقر يضمن جودة التعليم واستمراريته، لكن هذا الاحتياج لا يمكن تحديده بمعزل عن أعداد الطلاب، وتوزعهم على الاختصاصات والكليات، وحجم الساعات التعليمية المطلوبة، والتوقعات المتعلقة بالتسجيل في السنوات المقبلة. وعندما تتراجع أعداد الطلاب فيما يرتفع عدد الأساتذة، يصبح السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الجامعة تعالج نقصاً حقيقياً في الكادر الأكاديمي، أم أنها توسع بنيتها الوظيفية من دون مراجعة كافية لحاجاتها المستقبلية.

ولا تقتصر خطورة هذه المفارقة على الكلفة المالية المباشرة. فزيادة أعداد الأساتذة من دون دراسة دقيقة لتوزيعهم قد تؤدي إلى تفاوت في الأعباء التعليمية بين الكليات، وإلى وجود فائض في بعض الاختصاصات مقابل استمرار النقص في اختصاصات أخرى. كما أن تثبيت التزامات مالية طويلة الأمد في مؤسسة عامة يفرض على الدولة التوفيق بين حقوق الأساتذة والاستدامة المالية، وبين ضمان جودة التعليم وضرورة توجيه الموارد إلى المجالات التي تحقق أعلى عائد أكاديمي واجتماعي. وفي بلد يعاني أزمة مالية مزمنة، تصبح كفاءة الإنفاق العام شرطاً لاستمرار الخدمات، لا مجرد خيار إداري.

ويزداد التحدي تعقيداً إذا كانت القرارات المتعلقة بالموارد البشرية تتأثر باعتبارات تتقدم على المعايير الأكاديمية. فالجامعة ليست مجرد مجموعة وظائف ينبغي توزيعها وفق توازنات اجتماعية أو طائفية، بل مؤسسة يفترض أن تقوم على الكفاءة والحاجة والعدالة في الفرص. وأي خلل في ترتيب الأولويات قد يحول ملف التفرغ من أداة لتطوير التعليم وتأمين الاستقرار المهني للأساتذة إلى التزام مالي يصعب تعديله لاحقاً. المطلوب ليس حرمان الأساتذة من حقوقهم، بل إخضاع القرارات لدراسة شفافة تحدد الحاجة الفعلية، وتضمن ألا تتحول التسويات الآنية إلى أعباء دائمة على الجامعة والخزينة.

أما السؤال الأبعد مدى، فيتصل بمستقبل التعليم الجامعي في لبنان نفسه. فتراجع أعداد الطلاب قد يرتبط بالهجرة، وتكاليف التعليم والمعيشة، والتحولات في الطلب على الاختصاصات، واتجاه بعض الطلاب إلى جامعات أخرى أو إلى التعليم خارج البلاد. وهذه عوامل تستدعي سياسة متكاملة لاستعادة الثقة بالجامعة اللبنانية، وتحسين نوعية برامجها، وتطوير اختصاصاتها، وربطها بسوق العمل. إن بناء جهاز أكاديمي مستدام لا يتحقق بمجرد زيادة عدد الأساتذة، بل بقدرة الجامعة على استقطاب الطلاب والاحتفاظ بهم، وتوفير تعليم ذي جودة، وإدارة مواردها وفق رؤية طويلة الأمد. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة جامعية ليس عدد الوظائف التي تُنشئها، بل قدرتها على بناء مؤسسة أكثر كفاءة، تجذب مزيداً من الطلاب، وتقدم قيمة علمية واجتماعية تتناسب مع ما تنفقه الدولة عليها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn