«شهادة على زمنٍ لا يُصغي». بقلم الاستاذ فاروق غانم خدّاج

تمهيد للناشر

وجه لي الاستاذ خدّاج هذا النص بوصفه شهادة فكرية ووجدانية كُتبت من موقع المراجعة العميقة بعد عام اختاره الكاتب انسحابًا واعيًا من ضجيج العصر، لا هروبًا منه، في زمن تتراجع فيه قيمة القراءة والكتابة أمام السرعة والاستهلاك. هو نص يعبّر عن تجربة ثقافية مقصودة قامت على العزلة المنتِجة، والبطء بوصفه موقفًا، واللغة كمسؤولية أخلاقية، ويقدّم حصيلة عام من القراءة والكتابة والتأمل باعتبارها فعل مقاومة هادئة في وجه زمن فقد صبره على المعنى.

النص:

الدكتور بيار الخوري المحترم،

أكتب إليك من قلب الصمت الذي يلي العاصفة، بعد عامٍ كان أشبه بمرور النور عبر زجاجٍ معتم؛ لا يكسره، لكنه يفضحه. لم يكن عام 2025 زمنًا يُقاس بالأشهر، بل تجربةً داخلية متواصلة، امتحنتُ فيها علاقتي بالقراءة، وبالكتابة، وبفكرة الثقافة نفسها في عصرٍ يرفع السرعة إلى مرتبة الفضيلة، ويعامل العمق كعبءٍ زائد.

اخترتُ هذا العام أن أعيش على هامش الضجيج، لا تعاليًا عليه، بل رفضًا لأن أكون جزءًا من لغته. قرأتُ خلاله ما يزيد على مئتي كتاب، لا قراءة العابر الذي يجمع العناوين، بل قراءة من يضع النصّ في موضع المساءلة.

كانت الكتب تُفتح كما تُفتح نوافذ في بيتٍ يضيق بسكّانه، وكأن كل كتاب يوسّع هواء الروح قليلًا، أو يضيف شقًّا في جدار الوهم. قرأتُ الفكر لأفهم حدود العقل، والأدب لأختبر هشاشة الإنسان، والسير لأقيس المسافة المؤلمة بين المثال والواقع.

ومن هذه القراءات، لم أخرج صامتًا. أنجزتُ دراسةً وتحقيقًا لأكثر من مئة كتاب، نُشرت في الصحف بوصفها محاولات قراءة لا تلخيصات، وحوارات لا أحكامًا. كنتُ أكتب عن الكتب وكأنني أدافع عنها من النسيان السريع، وكأن القراءة نفسها فعلُ مقاومة هادئة في زمنٍ يُقيمون فيه النصبَ للضوضاء.

في كل دراسة، كنتُ أضع سؤالًا لا إجابة، وأترك للقارئ متعة الاكتشاف بدل راحة الخلاصة الجاهزة.أما الكتابة، فكانت وجهًا آخر للتجربة، أكثر قسوة وصدقًا. أنجزتُ سيرةً ذاتية لم أكتبها لتسجيل الوقائع، بل لتفكيكها.

كتبتُ الإنسان الذي تعلّم متأخرًا أن الخسارات لا تُمحى، لكنها تُفهم. وكتبتُ روايتين هما اليوم قيد الطبع، لا لأنني أردتُ أن أروي حكاية، بل لأن بعض الحقائق لا تقبل الظهور إلا متخفّية في السرد. كانت الكتابة أحيانًا موتًا مؤجلًا، وأحيانًا نجاةً مؤقتة، لكنها في الحالتين كانت ضرورة.

غير أنّ التحوّل الأعمق لم يحدث على الورق، بل خارجه. في الخلوات التي عقدتُها مع الطبيعة أمام منزلي، حيث الشجر بلا خطابة، والسماء بلا رأي، تعلّمتُ ما لم تعلّمني إيّاه الكتب وحدها. جلستُ طويلًا في مواجهة الأفق، أراقب تغيّر الضوء، وأسمع صوتي الداخلي يتباطأ. هناك، كنتُ أنضمّ إلى الصمت لا كفعل هروب، بل كفعل انتماء. الصمت الذي لا يُفرغك، بل يعيد ترتيبك.في تلك الخلوات، كنتُ أتحاور مع نفسي بلا وسطاء.

أسأل: ما جدوى كل هذا؟ ما معنى أن تقرأ وتكتب في زمنٍ يبيعون فيه الضمادات للجروح السطحية، ويتجاهلون النزيف الحقيقي؟ وكنتُ أخرج بإجابة غير مكتملة، لكنها صادقة: أن الثقافة قد تكون نزيفًا طوعيًا، لكن النزيف أصدق من العافية الزائفة.

هناك، تعلّمتُ أن المعرفة ليست دائمًا ثمرة بحث، بل أحيانًا نتيجة إصغاء طويل لما لا يُقال.

ومن هذا الوعي، اقتربتُ أكثر من اللغة بوصفها كائنًا حيًا، فعملتُ على التدقيق اللغوي لعددٍ من الكتب والصحف. لم أتعامل مع التدقيق كمهنة تقنية، بل كفعل أخلاقي. كنتُ أرى في كل كلمة مُصحَّحة محاولةً لإنقاذ معنى من التشويه، وفي كل فاصلة موضوعة بعناية احترامًا لعقل القارئ.

اللغة، في نظري، ليست زينة للفكرة، بل جسدها.أضع بين يديك، دكتور بيار، هذا الحصاد لا طلبًا لإشادة، ولا استعراضًا لإنجاز، بل شهادة على عامٍ اخترتُ فيه أن أبقى وفيًّا لما أؤمن به، رغم كلفة هذا الخيار، ورغم وحدته.

اخترتُ أن أراهن على الكتاب في زمن الصورة، وعلى البطء في زمن اللهاث، وعلى الصمت المنتج في زمن الكلام المستهلك.

هذه الرسالة ليست خاتمة عام، بل شهادة على أن الثقافة ما زالت ممكنة، وإن كانت موجعة. هي محاولة لإثبات أن الكتابة لم تفقد معناها، وأن القراءة ما زالت فعل تمرد على زمن الاهتراء.

أضعها بين يديك بثقة المتعب، لا بزهو المنتصر، وبأمل أن يكون الحوار معك امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار، لا محطة أخيرة فيه.مع خالص التقدير والاحترام،

فاروق غانم خدّاج

كاتب وباحث

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn