لاشك أن دراسة المنظومات الفكرية والثقافية ، دراسة مجردة عن واقعها وتجربتها ونماذجها وتاريخها الاجتماعي والسياسي ، لا يؤدي بنا إلى السبيل الصحيح ، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الواقع والتجربة والتاريخ ، أصبح جزء لا يتجزأ من المنظومة الفكرية ، بل عن طريقها ” التجربة “نستطيع اكتشاف وسبر أغوار المنظومة ، حتى نتعرف عن إمكاناتها ،وآليات عملها ، والقاعدة الإجتماعية لتي تستند عليها .
لذلك وحتى يكون منهجنا موضوعيا ، في دراسة وتقويم المنظومات الفكرية والثقافية ، ينبغي أن لا نعزلها عن واقعها التاريخي والاجتماعي ، وبالتالي عن السياق الحضاري ، الذي تنطلق منه وانتزعت غاياتها وأهدافها منه أيضاً .
فالمنظومات الفكرية ، ليست منفصلة عن جذورها العقدية والفلسفية ، بل هي انعكاس لها وترجمة إنسانية إلى بنودها ومبادئها .فالجذور العقدية والفلسفية ، تمثل الحافز الضخم ، الذي يحرك العقل ، ويثير المواهب ،ويراكم الخبرات وينمي العلم وتدفع دائما باتجاه التطوير والتغيير .
ولكن هذا لا يعني أنه إذا فشلت التجربة أو تعثرت ، فيكون دائما من جراء المنظومة الفكرية باعتبارها جملة مبادئ وخيارات. فليس بالضرورة ، فشل التجربة فشلاً للمنظومة الفكرية ، لأن هناك عوامل عديدة للفشل والإخفاق مرتبطة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي ، والتغافل عن هذه العوامل ،والصاق التبعة بالمنظومة الفكرية ، لا يؤدي إلى التشخيص السليم للواقع والتجربة .
وإنما من الضروري أن يكون التقويم دقيقاً وموضوعياً وبعيداً عن كل المسبقات الفكرية والسياسية .وهذا بطبيعة الحال ، يؤكد على ضرورة الفصل الموضوعي ، بين الأشخاص والأفكار ، إذ أن الدمج والتماهي بين الطرفين ، يؤدي إلى بروز نزعات الاستبداد والهيمنة ، وإخضاع الأفكار والقيم إلى المصالح الضيقة للزعيم أو الشخص أو الأشخاص الذين يتبوأون لأي سبب كان موقعية متقدمة في المحيط الاجتماعي ، الذي يناصر هذه الأفكار ، ويعتبرها جزءا من وجوده وحياته ، ونظرة فاحصة إلى واقع العديد من بلدان العالم العربي والإسلامي ، سنكتشف أن أحد الأسباب الرئيسة لبروز نزعات الاستبداد والهيمنة ، هو التماهي والدمج الشديد بين الرجال والقيم بحيث يتحول الرجال ، إلى المعيار الوحيد في تقويم الأمور والأفكار ، فالاختيارات الفكرية صحيحة ، مادام الرجال قالوا بذلك بعيداً عن الدراسة الواعية والموضوعية لتلك ” الاختيارات الفكرية ” وهي خاطئة وسقيمة مادام الرجال عارضوها ، ووقفوا موقفاً مضاداً منها .
فالكثير من نزعات الهيمنة و الإقصاء ، هو من جراء التماهي والدمج الشديد والابله ، بين الأفكار والرجال ، ومادام الدمج مستمراً ، فإن البنية الإجتماعية والثقافية ، التي تولد نزعات السيطرة مستمرة ومستديمة .
لهذا من الأهمية بمكان ، إيجاد مسافة بين الأفكار والقيم والتجارب التاريخية والبشرية لهذه الأفكار. إن فشل التجربة ، لا يعني بالضرورة فشلا للفكرة . فسقوط أي تجربة تاريخية ، لا يعني الحكم الكاسح على المشروع الفكري بالفشل .
وإنما من الضروري ، أن نبحث عن العوامل الحقيقية التي أدت إلى فشل واخفاق التجربة البشرية المعتمدة على تلك الأفكار . فالتماهي والتطابق التام ، بين المبدأ والواقع ليس بمقدور الإنسان القاصر والنسبي فعله .وإنما مهمته الحقيقية ، تتجسد في التشخيص السليم لواقعه ، ثم العمل ضمن إمكاناته إلى معالجة الأمور والأمراض التي يعاني منها ذلك الواقع وفشل هذا الإنسان في التشخيص أو المعالجة ، لا يعني البتة ، الفشل الجذري القابع في أصول افكاره وأسس ثقافته واخياراته العامة .
إذ في كثير من الأحيان ، يكون الفشل ، وليد العوامل الإجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وليس من جراء انحراف النظرية الفكرية .وهذا يدفعنا إلى القول ، بضرورة الفصل الموضوعي في مستوى تقويم النظريات ، ومساحة فعلها في الواقع الاجتماعي ، بين الأفكار الكبرى التي انطلقت منه هذه النظريات ، وبين الواقع الاجتماعي والحضاري الذي عملت وتحركت في فضائه هذه النظريات وذلك حتى يكون تقويمنا إلى التجارب الإنسانية عادلاً ، لأن افة العدالة في التقويم ، هو إسقاط الأفكار الخاصة أو المواقف المسبقة والقبلية على واقع مغاير زماناً ومكاناً وبشراً .
وحتى لا نقع أسرى التبرير والتسويغ الدائم نقول أن من الأخطاء الكبرى، التي قد يقع فيها الكثير من الناس حين تقويم الأفكار والنظريات الثقافية ، هو الباس الفهم الإنساني لباس المطلق والخلود ، إذ أن التعاطي مع الأفكار المنتجة بشرياً وكأنها خالدة وصالحة لكل زمان ومكان ، هو الذي يؤدي إلى بروز حالات الدمج والتماهي المطلق بين الأفكار والرجال ، بحيث يكون الرجال هم المرجعية المعرفية الأخيرة ، وهذا بطبيعة الحال يشوه الأفكار ويجعلها حبيسة فهم بشري محدود .
ولعلنا لا نبالغ حين القول ، أن الكثير من المشكلات التي يعاني منها العالم العربي والإسلامي ، هي في المحصلة الأخيرة وليدة اعطاء صفة المطلق والخلود للفهم الإنساني ، مما يؤدي إلى التعسف في لتقديم والمعالجة ، والقفز عن حقائق الأمور ووقائع الزمن .
وحتى نخرج من هذا النفق المظلم الذي يؤدي إلى تراجع الأفكار والقيم ، لصاح النزعات الفرديةوالمصلحية ، ينبغي التأكيد على النقاط التالية :
1- ضرورة توفير مناخات سياسية وثقافية واجتماعية ، لتبادل الآراء والأفكار بانسياب ، وذلك لأن توفر هذه المناخات ، هو الذي يخلق الظروف والتقاليد الضرورية لإعادة التوازن للعلاقة بين الأفكار والأشخاص .
2- العمل المستديم لإيجاد مسافة نقدية ، بين عالم الأفكار والأشخاص ، حتى لا تطغى النوازع الفردية وتكون هي الفيصل في الأمور والقضايا . وتتأتى المسافة النقدية التي نراها ضرورية بين عالم الأفكار والأشخاص من جراء الفهم العميق والواعي للأفكار ، تاريخها والظروف العامة التي نشأت فيها ، والغايات التي صنعتها ، والقاعدة البشرية التي اعتمدت عليها في تحقيق ذلك . فالفهم العميق للأفكار ، هو الذي يمنع من تسلط الرجال عليها ، لأن في كثير من الأحيان ، تكون الواسطات البشرية بين عالم الأفكار وعالم الأشخاص ، هو الذي يهيئ الأرضية إلى التماهي المطلق بين العالمين .
3- ضرورة احداث نقلة نوعية في الحياة الثقافية والفكرية العربية ، قوامها أعطاء الأولوية إلى البرامج ومشاريع العمل ، وليس إلى الشعارات الأيدلوجية الكبرى . لأن الاستغراق في هذه الشعارات الطرباوية ، يحول دون توفر حياة ثقافية عربية سليمة .
تاريخ الأفكار
هناك علاقة جدلية تربط الافكار بالواقع حيث أنه لا يمكن أن توجد فكرة وتنمو بدون الواقع بأضلاعه الثلاثة ( الزمان – المكان – الإنسان ) كما لا يمكن لهذا الواقع أن يعيش ويتطور وينظم علاقاته الداخلية والخارجية بدون الفكرة او جملة من الافكار تشكل نسقا نظريا متكاملا ، من هنا فإن المدخل الطبيعي لفهم الأفكار ، هو فهم الظرف والواقع ، الذى برزت فيه الافكار فهما حقيقيا وهي في عالم التجريد والمثال والبعد عن الواقع بمعطياته العديدة ، كما أن الواقع بأحداثه وتحولاته ، بايجابياته وسلبياته بانجازاته واخفاقاته ، لا يمكن أن ندركه حق الادراك ونفهمه حق الفهم بدون فهم الافكار التي عملت وأثرت في ذلك الواقع نحن بحاجة الى فهم الافكار التي صنعت أو شاركت في صنع ذلك الواقع كما أننا لكي نفهم الافكار نحن بحاجة الى فهم الواقع ، الذى هو وعاء الافكار وحاضن الممارسات العملية والبرامج والخطط والسلوكيات المتعددة والمتنوعة المناحي .
ونخطى خطأ فادحا حينما نحاول بشكل متعسف أن نفصل بين العنصرين حيث أن تجريد الواقع من الافكار يحوله الى مجموعة من الاحداث المتناثرة التي لا صلة فعلية لبعضها البعض كما إن انتزاع الافكار من الواقع يسقطنا من متاهات التعميم والتعصب لجملة من الافكار قد تكون صالحة لزمان دون آخر او لمكان دون آخر لذا فأننا نظلم الافكار ولا ندركها في سياق تطورها الطبيعي حينما نقرأها بعيدا عن الواقع الذى نشأت فيه .
كما اننا قد نخضع الواقع لمبتغياتنا واهوائنا الفكرية حتى لو كان الواقع يسير في الاتجاه المعاكس . وجماع القول إن هناك علاقة تربط الافكار المعيارية مع الواقع التاريخي والمعاصر وحركة الانسان في الوجود تتجه الى تحقيق الفكر المعياري في الواقع ، لذلك فالمدينة الفاضلة في المنظور الماركسي هي التي تنعدم فيها الطبقات ويتحرر فيها الانسان من الضرورة الاقتصادية ونظام تقسيم العمل ، وهكذا يختلف شكل المدينة الفاضلة من انسان لآخر أو من مدرسة فكرية الى آخرى ، السبب في ذلك يرجع الى اختلاف الفكر المعياري والاطار المرجعي من طرف لآخر .
فالأفكار لا تتحرك وتتطور في فراغ ، بل هي تنمو وتتطور في أطار واقع اجتماعي تاريخي ، وهذا الواقع الاجتماعي التاريخي ، يعكس تأثيره الطبيعي على عالم الافكار والتصورات النظرية لهذا بقول علماء المنطق ان الحكم على الشيء فرع عن تصوره . لهذا فإن تجاهل الواقع والظرف الاجتماعي والتاريخي ، الذى نشأت فيه الافكار ، لا يوصلنا الى فهم دقيق لتلك الافكار لأن انتزاع الافكار من سياقها الطبيعي ( الاجتماعي التاريخي ) والنظر اليها باعتبارها فكرة في الفضاء المجرد ، يجعلنا اما نتجه صوب تعميم الفكرة واعطائها حجما أكبر من حجمها أو نحبسها في اطارها الزماني ، فنخسر الدروس والعبر من تلك التجربة الفكرية – الاجتماعية . فالواقع والفعل الاجتماعي يستدعي الفكر ، لذلك فإن عمليات التفاعل والتفاكر والحوار هي الطريق المأمون الى تحقيق الخصوبة المطلوبة لعملية النهوض الحضاري .
وقد أخذت جدلية العلاقة بين الفكر والواقع ، نصيبها من صراع الفلاسفة ” فمنذ الفكر اليوناني القديم يتحدث أفلاطون في محاورة السفسطائي عن الصراع بين أتجاهين في الفلسفة يقول أنصار الاول منها ( الذين ينعتهم أفلاطون بأنهم قوم كريهون ) انه لا يوجد الا الملموس والمحسوس ، ويزدرون القائلين بوجود ما هو غير جسمي ، في حين يؤكد فلاسفة الاتجاه الثاني على أن الوجود الحق مثل معقولة ومفارقة ، وفي العصر الحديث وصف ليبينتز ابيقور بانه كبير الماديين ونعت بالمقابل أفلاطون بأنه كبير المثاليين ، وقال هيلفيتيوس في معرض الحديث عن تضاد المادية والمثالية في مؤلفه الانسان : انني اقارن هذين الضربين من الميتافيزيقا بنسقين فلسفيين مختلفين ديمقريطس وأفلاطون .فالأول يصعد تدريجيا من الأرض الى السماء أما الثاني فينزل تدريجيا من السماء الى الأرض ” .( ١).
وفي الدائرة الإسلامية يتأكد الاهتمام بفقه النص والواقع ، للعلاقة الحميمة التي تربطهما مع عضهما البعض ، لان الواقع كله وبمفرداته المتعددة أصبح في حقيقة الامر متعلقات الاحكام الشرعية ، لذا فقد أهتم علماء الامة وفقهاؤها ، بمعرفة أسباب نزول النص من أجل الألمام بالظرفية التي صدر فيها الكلم القرآني أو النطق النبوي للتوصل الى صناعة التفسير وبناء علم الحديث دون أن يفقد النص لشرعي سلطته التشريعية وعموميته المطلقة ودون أن يؤول الى نسبية تاريخية ولذلك قال السيوطي في كتابه ( الاتقان في علوم القرآن ) وقد نزلت آيات في أسباب وأتفقوا على تعديتها الى غير أسبابها .وعلى هدى هذه الحقيقة التي تربط النص بالواقع حارب الدين الإسلامي كل محاولة لعزل النص عن الواقع أو عزل الواقع عن النص ، ” لان الاسلام ليس كيانا غريبا طارئا على مسيرة التاريخ وحياة الشعوب وتطلعات الناس . أنما الإسلام هو الحياة تستقيم على قيم عليا توجه مسيرتها وترشد حركتها . والمسلمون هم الناس حين يستقيم فكرهم وخلقهم على تلك القيم ، والنصوص كلها وعلى رأسها القرآن ليست عالما آخر يضاف الى هذا العالم ، وانما هي شاهد بكلمات اللّٰه على خلق الله” .
على حد تعبير الدكتور أحمد كمال أبو المجد ، ونحن هنا اذ نوكد على الصلة القوية التي تربط النص بالواقع ، لا ندعوا أو نطالب بعملية التماهي بين النص والواقع أو نخضع النصوص للواقع بظروفه ومتغيراته ، وإنما نريد أن نبرز عمق العلاقة التي تربط النصوص بالواقع في الدائرة الإسلامية ، لهذا كله وحتى لا نقع في هذا التيه المزدوج بين الافكار والواقع ، نحن بحاجة الى العناية والاهتمام بموضوع تاريخ الافكار ومنهج التحليل التاريخي للأفكار ، بمعنى حينما يسعى المرء لدراسة فكرة ما ، من الضروري أن لا يعزل ظرف أنتاج الفكرة عن فهمه لها لان الظرف التاريخي و والزمان والمكان لهما جميعا مدخلية أساسية في فهم الأفكار والقناعات الثقافية.
فالفكرة أو الافكار ليست وليدة العقل المحرد ، بل هي نتاج مجموعة من العوامل والاوعية ، لذلك من الخطأ قراءة الأفكار بعيدا عن تاريخيتها وظروف أنتاجها وزمانه ، فلا يمكن للمفكر أن يفكر بلا واقع كما انه لا يمكن أن نفهم الواقع بلا أفكار ، لان هناك علاقة حميمة تربط الفكر بالواقع والعكس ، ولمة مسوغات عديدة ، تجعلنا نهتم بالتحليل التاريخي للأفكار وضرورة معرفة الواقع والظروف الذاتية والموضوعية التي نتجت فيها الافكار وأصبحت في متناول الجميع ويمكن تحديد هذه المسوغات في النقاط التالية :
1- العلاقة الحميمة التي تربط الأفكار بالواقع بحيث أنه من الصعب أن نجد واقعا بلا أفكار وتصورات تدعمه وتبرر مسيرته كما أنه لا يمكن أن نجد أفكارا أنسانية بلا واقع .
2- أن تاريخ الأفكار يمكننا من جعل الأفكار في سياقها الاجتماعي والثقافي الطبيعي ، مما يساعدنا على اكتشاف قوانين التطور الفكري وعوامل التجدد الثقافي .. اما أخد الفكرة مجردة عن سياقها وظروف نشأتها يجعلنا نتعامل معها وكأنها استثناء من أصل مجهول أو معرفة مفردة جزئية من واقع كلي ، ما زالت اغلب اموره وعناصره مجهولة أو غامضة .
3- للابتعاد قدر المستطاع من الاغراق في المثالية اذ أن استقبال الافكار بشكل مجرد وبعيده عن ظروفها ومعطيات ولادتها يدفع باتجاه الاغراق في مسائل طوباوية لا تلحظ جانب الواقع ودوره في نمو الأفكار وشكلها السائد ولعل الكثير من حالات الغلو في الفكر يرجع بالدرجة الاولى الى الاغراق في المثالية الناتج من تجريد الأفكار من سياق تكوينها ونموها الطبيعي .
وبالتالي : فان العناية بتاريخية الأفكار تجعلنا نبدأ في ممارساتنا الفكرية من حيث أنتهى الاخرون . لأننا سنستفيد من عمليات التراكم الفكري والثقافي ، وهذه العملية ستدخل الأفكار في حركة اجتماعية عميقة ، تنظم عمليات الربط والاستفادة من تراث الماضي وتطورات الراهن .
مسوغات المنهج التاريخي في قراءة الأفكار
لعل من المسائل الأساسية التي تحول دون حيوية الأفكار وفاعليتها على المستوى الاجتماعي ، هو فهم وتدارس الأفكار بعيداً عن تاريخيتها ، فتبقى في حالة راكدة – سكونية وبعيدة كل البعد عن دورها الطبيعي في الحركة الإجتماعية ، ففهم الافكار بتاريخيتها وظروف ولادتها ، هو الذي يشتت حالة السكون ، ويقضي على الرتابة والجمود في فهم الأفكار ، ويؤسس لفعل تطويري – اجتماعي عام .
وثمة مسوغات تدفعنا تجاه الأخذ بمنهج التحليل التاريخي في قراءة الأفكار ، وهذه المسوغات هي الاتي :
1-أن الجديد من الأفكار لا يصنع في فضاء محرد ، بل هو عبارة عن نقد وتطوير للأفكار لمتداولة . ولعلنا لم نجد في تاريخ الفكر قاطبة ، أن فكرة ما أو مشروعاً نظرياً معيناً ، رأى النور فجأة أو صدفة وإنما دائما الجديد من الأفكار ، يأتي على قاعدة نقد المتداول من الفكر مع إرادة التجاوز والتطوير . فلا يمكن لجديد أن يبزغ اذا لم يقترن الجهد الفكري الباحث عن الجديد بنقد للتجربة التاريخية ، وبوعي تاريخي لازمات هذه التجربة ولمآزقها ولأشكال التمويه الذي لجأت اليه خطاباتها المتنافرة شكلا ، والمتداخلة أو المتوحدة مضموناً ومنهجاً على حد تعبير الدكتور (وجيه كوثراني) .(٢)
2- أن منهج التحليل التاريخي للأفكار يخرجنا من حالة الإنشطار والثنائية في المفاهيم والأفكار الذي ساد واقعنا الثقافي والفكري ، فأن العودة إلى المنهج التاريخي ، هو الذي ينقل واقعنا الثقافي من واقع الثنائيات والتشطير الاجتماعي على ضوئها إلى واقع الوحدة الإجتماعية ، الذي تتفاعل على سطحه وفي عمقه مجموع الأفكار والمفاهيم ذات الاهتمام والإشكالية كما يؤدي هذا المنهج إلى الاهتمام بالنظرة المتكاملة للإنسياق المجتمعية بأبعادها الإجتماعية والحضارية والروحية على حد سواء.
3- المنهجية : اذ أن غياب المنهج التاريخي ، هو الذي يؤدي إلى انتشار الخطابات المختزلة ، والقائمة على الرفض العدمي أو نسبة كل إنجاز إنساني إلى الدائرة الإيدلوجية التي ينتمي اليها الإنسان ولعل هذا هو الذي دفع بالمفكر الراحل ” محمد باقر الصدر” إلى التنبيه إلى عدم الانزلاق إلى القول بعلم اقتصاد إسلامي فقال بوجود مذهب اقتصادي إسلامي على موازاة لمذهب الاشتراكية ومذهب الرأسمالية كما أن المفكر نفسه نبه الذين يحاولون أن يتعاملوا مع القرآن الكريم ككتاب علمي بقوله : ان القرآن هو كتاب هداية للسلوك الإنساني والاخلاقي والاجتماعي وليس كتاب علوم تستخرج منه النظريات العلمية على اختلافها .
فالمنهجية في قراءة الأفكار وهضم الثقافات الإنسانية لا تتأتى الا بالمزيد من العناية بالمسألة التاريخية للأفكار فلا يمكننا مثلا أ، نفهم بشكل جيد الأفكار ، التي أحدثت التحول التاريخي في العالم الاوروبي ، اذا جردنا هذه الافكار وتطورها النظري ، عن التجربة السياسية والاقتصادية والحضارية للعالم الاوروبي لأن تجريد الأفكار عن واقعها ، لا يجعلنا ندرك ونفهم تلك الأفكار بشكل تام . لأن الواقع بمعناه العام ، أضاف إلى الأفكار بعض ضروراته ، كما هذب الأفكار التي تنحو منحى تجاوز الإنسان وظروف حياته وتحدياته المعاشة .
4-العدل الثقافي : العدالة ليست دعوة اخلاقية تتجه فقط إلى تهذيب النفوس ونقاء القلب والسريرة ، بل هي خريطة عمل متكاملة ، تستوعب جميع جوانب حياة الإنسان ففي علاقة الإنسان مع نفسه ، ينبغي أن يكون عادلا ، كما أن علاقة الإنسان بنظيره الإنسان بحاجة إلى العدالة القائمة على المشترك الإنساني واخلاقية التسامح وحسن الظن . وفي أطار المسألة الثقافية بمنابرها المختلفة وأطرها المتعددة تقتضي العدالة في بعُدها الثقافي تكوين العلاقات وفتح لحسور وتحقيق مفهوم التعارف مع الثقافات الإنسانية المختلفة . لذلك فأن الانغلاق عنها أو عدم فهمها وفق القواعد العلمية ، يعد ظلماً لتلك الثقافة لأنها إنجاز إنساني عام بإمكاننا الاستفادة من عناصرها بما يخدم وضعنا وراهننا .وتكوين العلاقات والتعارف مع المدارس الفكرية والثقافية الموجودة في الساحة ، ليس من أجل الدخول في حوار لاهوتي ، يهدف العمل الإقناع الثقافي ، وإنما من أجل تحقيق مفهوم التعارف الثقافي المتبادل الذي هو التجسيد العملي لمفهوم العدالة في الدائرة الثقافية .
والتعارف الثقافي لا يتحقق بمعرفة القشور والفروع والنتائج لتلك المدارس فقط ، وإنما نحققه عن طريق التعمق المعرفي في أصول الثقافات الإنسانية وفهم بنيتها الاصيلة من مصادرها المباشرة وتاريخيتها والظروف التي رافقت نشوءها واستمرارها حتى لا نقع اسرى الإسقاطات الايدلوجية لتى تعني عدم الاعتبار بالأمور المذكورة أعلاه وتغيبياً للبعد التاريخي ودوره في إنضاج الأفكار وبلورة الثقافات . وأن تجاوز هذه الأمور يعد ظلماً صريحاً إلى مسيرة ثقافية ضخمة تختزلها في موقف سريع أو كلمة غامضة أو تصور مطلق لا يخرجنا من دائرة الفهم الضبابي أو الفهم المنقوص الذي لا يصح به تخاذ موقف أو اعتباره معياراً للتقويم . وهذه المسوغات ، التي تدفعنا إلى الاخذ بالمنهج التاريخي في قراءة الأفكار ودراسة الثقافات الإنسانية ومراجعة ثقافتنا الذاتية .
هي منهجية تلزمنا جميعاً أفراداً وجماعات من الوقوف مع النفس والتأمل في التطورات العلمية والثقافية ، ودراستها بموضوعية وإتزان والعمل وفق النتائج المترتبة على ضوء تلك الدراسة الموضوعية .
ممارسة الفكر
يبدو أن من الفروق الأساسية بين الأمم والشعوب المتقدمة ، عن غيرها من الشعوب والأمم ، التي ما زالت تعيش التخلف والتأخر ، وكل أمراض الانحطاط ، هي في طريقة تعامل هذه الأمم مع أفكارها.
إذ أن الأمم المتقدمة تسعى حين قناعتها وإيمانها بفكرة ، إلى البحث الجاد عن طريقة مناسبة إلى تنفيذها وممارستها . لذلك تكثر في هذه المجتمعات المبادرات والأنشطة الإنسانية التي تملا فراغا ، وتساهم في تقوية المجتمع وقدرته على إدارة ذاته وتسيير شؤونه بنفسه .
أما المجتمعات المتخلفة ، فهي لا تعتني بأفكارها الجادة والقادرة على انتشالها من واقع التخلف ، ولا بالبحث عن طرق أو خلق الظروف المواتية لممارسة افكارها . لذلك تكثر فيها المجادلات العقيمة ، التي لا تغني و لا تسمن من جوع .
وتبرز في محيطها ثقافة التثبيط وليس بالإمكان القيام بدور حقيقي تجاه الواقع وأمراضه .فالمجتمع يبدأ بالتحضر ، حينما يمارس أفكاره ويسعى لتطبيق بنودها على واقعه ، حينذاك تبدأ ملحمة البناء الحضاري .والمجتمع الذي لا يمارس أفكاره ، يزداد هامشية وتخلفاً وانحطاطاً ، لأنه يصنع لنفسه حواجز وعقبات وموانع تحول دون استفادته من الأفكار والرؤى والبصائر ، التي تقوي عزيمتهم وتنير دربهم وتبلور مقصدهم .
فالتغيير والتطور ، ليس معجزة ، وإنما هو إرادة إنسانية متواصلة ، تأخذ على عاتقها ممارسة الأفكار الحضارية وتبحث عن طرائق مواتية ، لكي تأخذ هذه الأفكار والرؤى طريقها في الواقع والمجتمع .
ولعل هذا هو الذي يفسر لنا إخفاق مشروعات التطوير والنهضة في واقعنا العربي والإسلامي .إذ أن التشبث بفضاء الكلمات الطنانة والشعارات السحرية ، والتعالي الأجوف عن الواقع بقضاياه وهمومه ، لا يصنع نهضة ،ولا واقعاً مواتيا للنهضة والتطور .
والاكتفاء بذلك دون العمل على تنزيل أفكار النهضة إلى حقائق مجتمعية ، هو أحد الأسباب الرئيسية في تقديرنا لإخفاق مشروعات النهضة في العالم العربي والإسلامي ، لأن التستر بالشعارات والأفكار الكبيرة ، وعدم كشاف نفوسنا وعقولنا على هذه الشعارات والأفكار ، هو الذي جعل هذه الأفكار بعيدة عن واقعنا وليست متكيفة ” التكيف الإيجابي ” مع النسيج المجتمعي .
لذلك كلما زدنا من وتيرة رفع الشعارات الطنانة والأفكار الكبيرة ، زدنا ابتعاداً عن واقعنا وازدادت صعوبات معرفته وفهمه . إن ملحمة النهضة ، تبدأ بالانطلاق ، حينما نواجه انفسنا ، ونكتشف بيئتنا وننطلق من هذه المواجهة والاكتشاف ، إلى خلق الأفكار والرؤى والبصائر المنسجمة ومتطلبات تلك المواجهة والاكتشاف .
وإن أحد الأسباب التي تعوق تقدم الشعوب والأمم هو حينما تحلق في فضاء الأفكار المجردة . والشعارات الطوباوية ، وتعتبر هذا التحلق بديلا عن عملها وكفاحها وممارستها لأفكار البناء والتطوير ، أن التقدم لا ينجز إلا بالممارسة ، والكفاح المستميت في سبيل تعميق أفكار التقدم في لنسيج المجتمعي . وإن إرادة التقدم والتطور ، لا تنضج وتتبلور بشكل مجتمعي إلا بسعي كل واحد من أبناء المجتمع ، لأن يمارس أفكار التقدم والنهضة في واقعه الخاص والعام .
فحينما نمارس أفكارنا ، ونزيل الحواجز بين واقعنا وأفكارنا ، حينذاك تبدا إرادة التقدم بالنضوج والتبلور التام . أما دون ذلك فسيظل التقدم والتطور ، وكأنه رغبة عائمة في التمني والجمل الإنشائية ، وهذا لايقود إلا إلى المزيد من التقهقر والتخلف ، تحت ” يافطة ” التقدم والتطور .
وبهذا يتحول مشروع التقدم وكأنه عملية دعائية لا تلامس إلا الشكل وتزيد من الزيف والتضليل . فيمارس ( مشروع التقدم ) عملية التستر على الخطأ ونقاط التخلف بدل فضحها والعمل على اجتنابها ويتواطأ مع منابع التخلف والانحطاط ، بدل من العمل على تجفيف منابعها وحصار آثارها كمقدمة لإنهائها من الوجود .
وانسياقا مع هذه الصورة ، يتحول الطبيب إلى مشعوذ ومضلل ، لأنه يخفي علل المريض ، ولا يسعى بإمكاناته العلمية والفنية ، لإنهاء هذه العلل والأمراض ، وتصور معي ( عزيزي القارئ ) الأثار الخطيرة حينما لا يمارس الطبيب دوره المطلوب ، ويتحول إلى المشروع والمهمة النقيضة .مشروع النهضة والتقدم ، ينتقل إلى المهمات النقيضة حينما لا يمارس أفكاره على واقعه ، وحينما لا يهيئ وضعه النفسي والاجتماعي ، للتفاعل مع هذه البصائر والأفكار . لذلك كله نرى ، أن من المهمات الأساسية ، التي ينبغي لنا جميعاً أن نوليها العناية والاهتمام، هي ممارسة أفكارنا ، والعمل على إذابة الجليد ، الذي يفصلنا عن الأفكار والرؤى .
وإن تقدمنا وتطورنا مرهون ، بقدرتنا على ممارسة أفكارنا ، واجتراح الوسائل والطرق المناسبة لممارسة هذه الأفكار . وإن ممارسة الأفكار ، هي التي تمد الأمم والشعوب بالقوة والقدرة على مواجهة التحديات والصعاب التي تواجهها سواء الداخلية أم الخارجية ، لأن ممارسة الفكر توفر في الأمة قدرة فذة على دمج كل فعاليات الحياة والواقع ، وتوظيفها في حركة متساوية ومتناغمة صوب الأهداف الإستراتيجية للأمة .
من هنا ينبغي أن تكون علاقتنا بأفكارنا حية وخلاقة ، حتى نتمكن من ممارستها وتحويلها إلىواقع عملي ، وحتى نضيف إليها من تجربتنا وخبرتنا . وحينما تجمد علاقتنا بأفكارنا ، أو ننحبس في جوانب ضيقة من حياتنا ، تفقد الأفكار حياتها وحيويتها وتنعدم كل أطر التفاعل الخصب بيننا وبين أفكارنا لأنها لن تكشف عن إمكاناتنا وآفاق لتقدم أمامنا .
لهذا نجد أن المسلمين الأوائل حينما تنزل على الرسول صلى اللّٰه عليه وآله وسلم آية قرآنية ، وينقلها لهم كانوا يجوبون الأفاق لتطبيقها وممارسة مقتضياتها ، ثم يعودون إلى الرسول صلى اللّٰه عليه وآله وسلم إلى أخذ التعاليم الجديدة ، وبفضل هذه الأخلاقية الرفيعة والاستعداد التام لممارسة الأفكار والتعاليم الربانية ، استطاع المسلمون الأوائل وفي فترة زمنية وجيزة أن يبنوا أمة خلاقة وحضارة شامخة ..
من هنا ينبغي العمل على إنهاء كل صور وحالات الأمية الثقافية ، والعمل على تشجيع القراءة ومتابعة النتاج الثقافي ولا بد أن ندرك ، أنه كلما نجحنا في تقليص مساحة الأمية الثقافية ، توفرت الفرص الكثيرة للتفاعل الإيجابي مع الأفكار وتهيأت الظروف المؤاتية لممارستها .
فالفكر يتجرد من اية فعالية ، حينما يفصله حاملوه عن واقع حياتهم ، ويتم خنقه ، حينما لا يتعامل معه المرء باعتباره مشروع حياة . فحينما يكون مجال الفكر الذهن وكفى ، حينذاك يتم تطريق الفكر وخنقه ، لأن حياة الفكر ممارسته ، وتنزيله على الواقع ، وأي طلاق بين الفكر والواقع ، فإنه سيفضي بنا إلى طريق مسدود ، لأنه سيقطع كل جسور الوعي والفهم والحيوية ، التي يبلورها ويخلقها الفكر في حياة الإنسان وبهذا نتجرد من كل الإمكانات التطويرية التي يغرسها الفكر في الحياة الإنسانية . فالكلمات السحرية والمقولات الجاهزة والشعارات الفضاضة ، لا تغير من الواقع شيئاً ، وأن سبيل التغيير والتطوير ، هو لعمل والممارسة على هدى الأفكار والبصائر العليا ، والمدارس التنويرية في التجربة الإنسانية ، لم تكن وليدة المقولات الجاهزة ، وإنما هي وليدة العمل والفعل المنسق والمشروع الإستراتيجي التي تنشده هذه المدارس التنويرية .
وأخيراً : فإن رغوة الكلام ، لا تخلق فعالية تاريخية ، تتجه صوب البناء والإنتاج والتطوير .وعلى ضوء هذه المسائل ، ينبغي بيان أهمية ، أن لا نتعامل مع أفكارنا ، وكأنها حقائق نهائية أو معطيات تتجاوز الزمان والمكان وإنما نحن بحاجة دائما إلى فحص أفكارنا ، ونعيد صياغتها أو نهمها أو قراءتها . فتطوير الفكر أو الأفكار سبيلهما ، هو الاشتغال عليها وفحصها ومساءلتها على ضوء التطورات والتحولات التي تجري في المعمورة .وبدون التحرر من الرؤية السقفية أو النهائية للأفكار ، لا تتمكن المجتمعات من قراءة تطورات العصر قراءة واقعية وسليمة وبعيدة عن الأوهام والرهانات الخاطئة .
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن أحد الأخطاء الكبرى التي وقع فيها عالمنا العربي والإسلامي ، هي طريقة تعاطيه وتعامله مع أفكاره وشعاراته الكبرى ، التي يتحملها في كل حقبة تاريخية .
إذ أن تعاطي هذا العالم ، مع هذه الأفكار ، وكأنها حقائق مطلقة ، وبلا ضوابط أو معايير للتفاضل ، جعلنا جميعاً نعيش أوهاماً عديدة ، ومن عمق وتمكن هذه الأوهام ، أنه قد تأتي الأحداث الجسام ، والتطورات الهائلة ، دون أن تحدث فينا أي حركة باتجاه قراءتها بعيداً عن هذه الأوهام ومتوالياتها النفسية والعقلية والاجتماعية .
ويضرب الدكتور علي حرب مثالا على هذه الحقيقة حين يقول : ” وفكرة الحرية ، كما جرى التعامل معها في المشاريع التحررية ، تقدّم مثالا بارزاً على ممارسة التهويم الأيدلوجي . فدعاة التحرير قد تصورا الحرية بلا قيد أو سلطة . وهذا وهم كبير أنتج أسوأ السلطات وأعتى الديكتاتورات . لأنه لا حرية لأحد مالم يشكل سلطته أو يمارس فاعليته وحضوره ، في ميدان عمله أو في بيئته ومحيطه ، لا على سبيل التعسف أو القهر والاستبداد ، بل عبر الخلق والإنتاج أو على سبيل الفيض والازدهار ” (٣) .
إن تطورات الراهن على مختلف الصعد والمستويات ، تدفعنا إلى ضرورة إعادة النظر ومراجعة طريقتنا في التعامل مع أفكارنا ، لأن طريقة التعامل مع الأفكار ، هي التي تحدد إمكانية الاستفادة من هذه التطورات أو استيعابها من عدمها . فالكثير من الناس قد يحملوا أفكارا متطورة ، ولكنهم قد يتعاملوا معها بطريقة متخلفة وبعيدة عن كل أشكال الجدة والحيوية .
وبالعكس حيث أن البعض ، يحمل أفكارا رجعية ومتخلفة ، ولا نصيب لها من التأثير في واقع الناس ، إلا أن طريقتهم في التعامل مع أفكارهم طريقة حيوية وفاعلة ، وبالتالي فإنهم يكون لهم نصيب من التأثير .
فلا يكفي إن يحمل الإنسان أفكاراً متقدمة ومتطورة وذات طابع حضاري ، وإنما لا بد أيضاً من طريقة حضارية وواقعية للتعامل مع هذه الأفكار . فالمطلوب هو إعادة التفكير في طريقة تعاملنا مع افكارنا ، حتى يتسنى لنا جميعاً تنظيم علاقة جديدة وفاعلة مع أفكارنا ، تساعدنا في استيعاب تطورات الراهن وتحولاته العميقة والمتسارعة .
فتطورنا وقدرتنا على اجتراح إمكانات وآفاق جديدة ، ندخل بهما القرن الجديد مرهونان بقدرتنا على نسج علاقات جديدة مع أفكارنا وخياراتنا السياسية والثقافية والحضارية .
فرهاننا الحقيقي ليس في استنساخ تجارب الآخرين وخياراتهم ، وإنما هو تطوير علاقتنا بأفكارنا ، وتجديد طرق تعاملنا معها .
مصادر البحث
1- الفلسفة العربية المعاصرة مواقف ودراسات – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت -ص ٤١٥ ..
2- مشروع النهوض العربي أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني- دار الطليعة – بيروت ..
3- الفكر والحدث حوارات ومحاور – علي حرب – دار الكنوز الأدبية ، ص ١٦ – بيروت ..



