الحروفُ الأولى التي لا تُنسى
أذكرُ، كما يذكرُ كلُّ من عرفَ الحرفَ أوّلَ مرّةٍ، تلكَ الرعشةَ التي تسري في القلبِ حينَ تتكوَّنُ الكلمةُ بينَ أصابعِنا الصغيرةِ.
كانَ المعلّمُ يقولُ: «اكتبوا: أُمّي»، وكُنّا نكتبُها بخوفٍ ودهشةٍ، لا نفهمُ الحروفَ كلَّها، لكنَّنا نحسُّ بها كما يُحسُّ الطفلُ بحرارةِ صدرِ أُمِّه حينَ تضمُّه.
تلكَ كانتْ لحظةَ الميلادِ الأولى معَ العربيّةِ. غيرَ أنَّ كثيرينَ من أطفالِ اليومِ لم يعيشوها، إذ غابتْ تلكَ الرهبةُ الجميلةُ، وصارتِ الحروفُ عندَهم مجرّدَ واجبٍ مدرسيٍّ ثقيلٍ، لا حكايةَ فيهِ ولا حُلمَ.
فكيفَ نُعيدُ إلى بيوتِنا دفءَ الحرفِ العربيِّ؟ وكيفَ نُحوِّلُ القراءةَ من فَرضٍ إلى فَرحٍ؟
بينَ المدرسةِ والبيتِ: الحرفُ اليتيمُ
في مدارسِ اليومِ تُدرَّسُ العربيّةُ كما تُدرَّسُ المعادلاتُ، يُلقَّنُ الطفلُ القواعدَ دونَ أن يتذوَّقَ جمالَها.يسمعُ عن الفاعلِ والمفعولِ، لكنَّه لا يسمعُ عن جمالِ الجملةِ حينَ تصفُ السّماءَ أو البحرَ أو وجهَ أُمِّه.
يخرجُ من الصفِّ وهوَ يعرفُ الإعرابَ، لكنَّه لا يعرفُ الإعجابَ.أمّا في البيتِ، فقد انشغلَ الآباءُ بالشاشاتِ، والأُمّهاتُ بالواجباتِ، فضاعتِ المساحةُ التي كانتْ تجمعُ العائلةَ حولَ قصّةٍ تُروى بالعربيّةِ أو نشيدٍ يُقالُ قبلَ النومِ.
هكذا صارَ الحرفُ العربيُّ يتيمًا بينَ جدرانِنا، ينتظرُ من يأخذُه بيدِه ويقولُ له: «عُدْ إلى القلوبِ، فهنا بيتُك».
الحكايةُ مفتاحُ اللغةِ
ليسَ ثمّةُ طريقٌ أقصرُ إلى حُبِّ اللغةِ من طريقِ القصصِ.فالطفلُ لا يقعُ في حُبِّ الكلماتِ لأنّها صحيحةٌ نحويًّا، بل لأنّها تحمله إلى عالمٍ آخرَ.حينَ يسمعُ حكايةً من كليلةَ ودِمنةَ، أو قصّةً من ألفِ ليلةٍ وليلةٍ، أو طرفةً من نوادرِ جُحا، تنفتحُ في خيالِه أبوابٌ لا تُغلقُ.الحكايةُ هي المدرسةُ الأولى، وفيها يتعلّمُ الطفلُ الموسيقى الداخليّةَ للغةِ دونَ أن يشعرَ.لذلكَ يجبُ أن يكونَ الوالدانِ الرُّواةَ الأوائلَ في حياةِ أبنائِهما، يرويانِ لهم القصصَ بالعربيّةِ التي تُشبِهُ نبرةَ القلبِ، لا بلغةٍ ثقيلةٍ جامدةٍ، بل بلحنٍ يفيضُ دفئًا ودهشةً.
بينَ لغةِ القلبِ ولغةِ الشاشةِ
نحنُ لا نستطيعُ أن نُغلِقَ على أبنائِنا العالمَ.
الهواتفُ في أيديهم، والشاشاتُ تُناديهم بلغاتٍ كثيرةٍ سريعةٍ ومغريةٍ.لكنَّ الحلَّ ليسَ في المنعِ، بل في الموازنةِ.
يمكنُنا أن نجعلَ العربيّةَ موجودةً هناكَ أيضًا: في فيلمٍ كرتونيٍّ جميلٍ، أو تطبيقٍ عربيٍّ يُحبّبُ الأطفالَ في لغتِهم مثلَ قصّةٍ بالعربيِّ ولغتُنا الجميلةُ.
يمكنُ للأهلِ أن يرووا القصصَ بالصوتِ والصورةِ، أو يُسجّلوا بصوتِهم مقاطعَ صغيرةً لأبنائِهم.هكذا تدخلُ العربيّةُ إلى عالمِهم الجديدِ لا غريبةً، بل ضيفةً محبوبةً تعرفُ كيفَ تتحدّثُ بلغةِ العصرِ دونَ أن تفقدَ أصالتَها.
الحرفُ الذي يُبني الإنسانَ
العربيّةُ ليستْ وسيلةَ تواصُلٍ فحسبْ، إنّها هُويّةٌ.مَن أحبَّ لغتَه أحبَّ ذاتَه، ومَن أحبَّ ذاتَه أحبَّ وطنَه.
فاللغةُ تحفظُ التاريخَ، وتُنَمّي الفكرَ، وتُهذّبُ الذوقَ.
حينَ يقرأُ الطفلُ بالعربيّةِ، فإنَّه لا يتعلّمُ فقط كيفَ يكتبُ، بل كيفَ يرى الجمالَ ويُعبّرَ عن مشاعرِه بصدقٍ وكرامةٍ.
تلكَ هي اللغةُ التي تُربّي النفسَ كما تُربّي العقلَ.
وقد قالَ طه حسينَ ذاتَ يومٍ: «إنّما اللغةُ مَلَكةٌ تَنمو بالقراءةِ كما يَنمو الجِسمُ بالغذاءِ».فليكنْ غذاءُ أبنائِنا من هذا النبعِ الصافي.
العربيّةُ… مسؤوليّةُ المجتمعِ كلِّه
ليستِ العربيّةُ شأنَ الأسرةِ وحدَها، ولا مهمّةَ المدرسةِ فحسبُ، بل هي مسؤوليّةُ المجتمعِ بأسرِه، مؤسّساتٍ وأفرادًا.
فكما تُنبتُ الأسرةُ الحرفَ في قلبِ الطفلِ، ينبغي للمؤسّساتِ الثقافيّةِ أن تسقيَه وتعتنيَ به حتى يُثمِرَ.إنَّ المبادراتِ الحديثةَ التي تُطلِقُها وزاراتُ الثقافةِ والتربيةِ في بعضِ الدُّولِ العربيّةِ، مثلَ عامِ اللغةِ العربيّةِ ومهرجانِ القراءةِ للجميعِ، ليستْ احتفالاتٍ عابرةً، بل جسورًا حقيقيّةً تصلُ بينَ الجيلِ الجديدِ وجمالِ لغتِه.
كذلكَ تُسهِمُ المجامعُ اللغويّةُ، والمكتباتُ العامّةُ، ومراكزُ النشرِ الشبابيُّ في جعلِ العربيّةِ حاضرةً في حياةِ الناسِ اليوميّةِ، على لافتاتِ المدنِ، وفي برامجِ الإعلامِ ومنصّاتِ التواصلِ.
فإذا تضافرتْ هذه الجهودُ، واستعادَ البيتُ والمدرسةُ والمجتمعُ إحساسَهم المشتركَ بالمسؤوليّةِ، عادَ للحرفِ العربيِّ مجدُه، وصارتْ لغتُنا لا تُدرَّسُ فحسبُ، بل تُعاشُ في تفاصيلِ الحياةِ، نَبضًا في القلبِ، وصوتًا في الذاكرةِ، وسراجًا في الدروبِ التي تمضي بأبنائِنا نحوَ غدٍ عربيٍّ أكثرَ إشراقًا.



