هندسة الإنسان أولاً.. رسالة مفتوحة إلى مهندسي الغد | بقلم المهندس ايلي رزق

رئيس رابطة المهندسين الإنشائيين (السابق) في نقابة المهندسين في بيروت، ونائب نقيب سابق

يظل الشباب عهد المسؤولية الواعدة وعماد الوطن؛ فسلامة المجتمعات ومنعتها تتوقف تماماً على القيم والفضائل التي يتحلى بها جيل الغد. والشباب الجامعي، على وجه الخصوص، هو الركن الأساس في مسيرة النهوض الوطني والإنساني.

ومن هذا المنطلق، يقع على عاتقنا في نقابة المهندسين أن نوليهم الرعاية والاهتمام اللذين يستحقونهما.ومن الأنشطة الإبداعية التي ساهمت رابطة المهندسين الإنشائيين في إطلاقها وتنظيمها لدعم الطاقات الشابة، كانت “جائزة نقابة المهندسين في بيروت لمشاريع التخرج الإنشائية”.

وتستحضرني هنا كلمات ألقيتها في تموز عام 2019 بصفتي رئيساً للرابطة آنذاك، خلال حفل توزيع الجوائز والدروع التقديرية. أشارككم اليوم وقفات مستوحاة من ذلك الخطاب، كعناوين عريضة تحمل في طياتها خلاصة تجربة مهنية وحياتية:

1. الهندسة الإنشائية، أمانة ورسالة: إن الهندسة الإنشائية ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة إنسانية تتماس مباشرة مع سلامة الإنسان في مسكنه ومنشآته العامة. ولقد أجمعت التشريعات والأنظمة، بدءاً من قانون البناء ومرسومه التطبيقي، مروراً بمرسوم السلامة العامة وقانون مزاولة المهنة، وصولاً إلى الأنظمة الداخلية للنقابة، على الدور المحوري للمهندس الإنشائي.

“فلا تفرطوا، أيها الزملاء الجدد، في هذا الدور، ولا تتنازلوا عنه مهما عظمت المغريات أو اشتدت الصعوبات، ولا تسمحوا لأي ترغيب أو ترهيب أن ينال من قدسية مهنتكم ونزاهتها.”

2. الشغف مهد الإبداع: الحب هو الجسر الممتد نحو التميز والإبداع؛ فاعشقوا عملكم، وأحبوا الناس الذين تعملون معهم ولأجلهم. ألم يقل القديس أوغسطينوس: “أَحْبِبْ وافعل ما تشاء”؟ ألم يكتب جبران خليل جبران في سفره الخالد (النبي): “إن العمل هو الحب ممتزجاً بالمادة”؟

عندما تتبنون وصية الحب في ممارستكم اليومية، ستتغلبون على مشاق التعب ورتابة الملل، وتستحيل جهودكم إلى منبع دائم للفرح والرضا.

3. مفهوم النجاح وحقيقة السعادة: لا يُقاس النجاح بالمراتب والقمم التي تبلغونها، بل بحجم العراقيل التي تغلّبتم عليها لتصلوا إلى تلك المكانة.

إن دروب الحياة مليئة بالمطبات، وليس العيب في أن يتعثر المرء أو يسقط، وإنما العيب كل العيب في أن يستكين حيث سقط.ومع ذلك، اعلموا أن النجاح لا يعني بالضرورة السعادة؛ فالسعادة فيض ينبع من الداخل. كلما عشنا سلاماً داخلياً، تجذرت السعادة في نفوسنا. فلا تدعوا بريق النجاح يثملكم أو يضيعكم في صخب العالم الخارجي، واجعلوا من نجاحاتكم قوة سند لغيركم من البشر.

4. شهادة الحق وثقافة الحوار: حافظوا على مصداقيتكم، ولا تهابوا قول الحقيقة مهما كانت مرّة أو صعبة. لقد قال الأديب كرم ملحم كرم يوماً: “لقد علمتني الحقيقة أن أكرهها فما استطعت”.

انحازوا دوماً للحق ودافعوا عنه؛ هذا الحق الذي أعلن الإمام علي (ع) أنه “لم يترك له صاحباً”. وتذكروا رؤية جبران خليل جبران حين قال: “الحق يحتاج إلى رجلين: رجل ينطق به ورجل يفهمه”.

ومن هذا المنطلق، لا بديل عن الحوار المستمر مع الآخر، ومشاركته أفكاره وتطلعاته ومخاوفه، وصولاً إلى مساحات الفهم المشترك.

5. قوة الأحلام الكبيرة: إن الأحلام العظيمة لا تتحقق طفرة واحدة، بل تبدأ بخطوة صغيرة تتلوها خطوات. فلا تخشوا أن تحلق أحلامكم بعيداً؛ فبالمثابرة، والعزم، والعمل الدؤوب، يصنع الإنسان المعجزات ويسير نحو غاياته بثبات.

6. إنسانية المهندس في عصر التكنولوجيا: لا تدعوا التسارع المذهل في عالم البرمجيات والذكاء الاصطناعي يستغرقكم في متاهات التكنولوجيا، لدرجة تنسيكم الفضائل الإنسانية التي تعجز الحواسب والآلات عن إدراكها.

إن قيم شهامة النفس، والكرامة، والمحبة، والعطاء، والنبل، والشجاعة، والتضحية في سبيل الآخرين، هي ما يمنح الحياة معناها الحقيقي. وإن سر أي تميز إنساني يكمن في معادلة ذهبية واحدة: أن يفكر الإنسان بقلبه وعقله معاً.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.