نُشر هذا المقال على موقع إيلاف بتوقيع الاستاذ فاروق غانم خدّاج، ويتناول جلسات مجلس النواب اللبناني بوصفها مشهدًا كاشفًا لأزمة أعمق من السياسة بمعناها الضيق، إذ يضع القارئ أمام خلل بنيوي في وعي النخب والجمهور بالشؤون العامة، أي في طريقة فهم المسؤولية العامة، والمحاسبة، ودور المؤسسات، وحدود السلطة. المقال لا يناقش فقط ممارسات النواب، بل يحاكم الثقافة العامة التي سمحت لهذا الأداء أن يصبح عاديًا ومقبولًا.
ينطلق النص من توصيف متكرر لجلسات البرلمان كعرض متقن الإخراج، بوجوه محفوظة وخطابات جاهزة، ليؤكد أن الإشكالية لا تكمن في ضعف الأداء الخطابي أو في فساد فردي، بل في وعي عام مشوَّه يتعامل مع الشأن العام كملف قابل للتدوير لا كمجال للمساءلة. النخب، وفق ما يعرضه المقال، لا ترى نفسها خاضعة لمنطق الخدمة العامة، بل تعتبر الدولة مساحة لإدارة المصالح، بينما يُختزل دور الجمهور في المتابعة السلبية أو في التكيّف مع الأمر الواقع.
يُظهر المقال بوضوح كيف تتحول النخبة الحاكمة إلى طبقة محصّنة ثقافيًا قبل أن تكون محصّنة قانونيًا. فهي لا تشرّع القوانين فقط، بل تعيد تعريف مفاهيم العدالة، والإصلاح، والمسؤولية، بما يتناسب مع بقائها. هذا السلوك يعكس خللًا عميقًا في وعي الشأن العام لدى هذه النخب، حيث يصبح من الطبيعي أن يناقش النائب ملفات كان طرفًا مباشرًا في صناعتها، دون أي شعور بتضارب المصالح أو المساءلة الأخلاقية.
في المقابل، لا يُعفي المقال الجمهور من المسؤولية، بل يضعه داخل المعادلة نفسها. فالجمهور، المحاصر بخيارات طائفية وخدماتية، يجد نفسه في موقع المتلقي لا الشريك. ومع الوقت، يتآكل وعي الشؤون العامة لديه، فيتحول الفشل المتراكم إلى أمر اعتيادي، وتُستبدل المطالبة بالحقوق بتبرير الأعذار. هنا، تصبح الانتخابات طقسًا شكليًا، لا تعبيرًا عن إرادة واعية، بل إعادة إنتاج لعلاقة زبائنية تُفرغ مفهوم المواطنة من مضمونه.
يركّز المقال على أن الزبائنية ليست مجرد أداة سياسية، بل آلية لإدارة الوعي العام. فهي تُبقي الجمهور في حالة اعتماد دائم على الوسطاء، وتمنع تشكّل فهم نقدي لدور الدولة ومؤسساتها. بهذا المعنى، فإن أزمة لبنان ليست فقط أزمة حكم، بل أزمة وعي بالشأن العام، حيث تختلط مفاهيم الدولة بالطائفة، والخدمة بالولاء، والمحاسبة بالاستهداف.
ومع ذلك، يلتقط النص تحوّلًا مهمًا يتمثل في بروز وعي جديد، لا سياسي بالمعنى الحزبي، بل وعي عام يتصل بفهم أوسع للمسؤولية والمصلحة العامة. هذا الوعي يظهر في فضاءات رقمية، وفي نقاشات مفتوحة، وفي محاولات توثيق الفساد وكشف التناقضات. ورغم محدودية أثره المؤسسي حتى الآن، إلا أنه يشكّل تصدّعًا في الجدار الثقافي الذي حمى النخب لعقود.
في خاتمته، يطرح المقال سؤالًا يتجاوز السياسة إلى جوهر العلاقة بين المجتمع والدولة: هل يبقى وعي الشؤون العامة محصورًا في النقد والتشخيص، أم يتحول إلى ممارسة يومية تفرض معايير جديدة للمحاسبة؟ فالمشكلة، كما يخلص النص، ليست فقط في من يحكم، بل في كيف يفهم الجميع معنى الحكم، والدولة، والمسؤولية العامة.



