اقتصاديات التعليم في الكويت بين الإنفاق الضخم وتحديات سوق العمل. استعراض مقال د. صادق أبل

نُشر هذا المقال في مجلة المصارف تحت عنوان «اقتصاديات التعليم في الكويت» للدكتور صادق أبل، ويتناول بصورة تحليلية العلاقة العميقة بين التعليم والتنمية الاقتصادية في الكويت، محاولاً تفكيك مسار تطور النظام التعليمي الكويتي منذ بدايات الدولة الحديثة وحتى التحديات الراهنة المرتبطة بسوق العمل والإنتاجية والتنويع الاقتصادي. ينطلق المقال من فكرة مركزية مفادها أن التعليم لم يعد مجرد خدمة اجتماعية أو التزام حكومي تقليدي، بل أصبح أحد أهم مكونات رأس المال الوطني، ومحركاً مباشراً للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والقدرة التنافسية للدول.

يركّز المقال على التحولات التاريخية التي شهدها التعليم في الكويت منذ مرحلة ما قبل النفط، حيث كان التعليم محدوداً وتقليدياً، وصولاً إلى مرحلة الطفرة النفطية التي سمحت للدولة بتوسيع الإنفاق العام على التعليم بصورة كبيرة. ويشرح الكاتب كيف انتقلت الكويت من بيئة تعليمية بسيطة إلى منظومة تضم التعليم الحكومي والخاص والجامعات والبعثات الخارجية، مع ارتفاع واضح في معدلات الالتحاق بمختلف المراحل التعليمية. ويستخدم المقال مجموعة واسعة من الرسوم البيانية والإحصاءات لإظهار النمو الكمي في أعداد المدارس والطلاب والمعلمين والإنفاق الحكومي على التعليم عبر العقود.

ويُبرز المقال أن اقتصاديات التعليم في الكويت لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الإنفاق المالي، لأن ارتفاع الإنفاق لا يعني بالضرورة تحقيق جودة تعليمية أو مخرجات إنتاجية متقدمة. هنا ينتقل الكاتب إلى مناقشة واحدة من أكثر القضايا حساسية في الاقتصاد الكويتي، وهي الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فالكويت، بحسب المقال، تمتلك معدلات إنفاق مرتفعة على التعليم مقارنة بعدد السكان، إلا أن الاقتصاد لا يزال يعتمد بصورة واسعة على العمالة الوافدة في العديد من القطاعات التقنية والمهنية والإنتاجية، ما يعكس اختلالاً بين النظام التعليمي والاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني.

ويشرح الكاتب أن جزءاً من الأزمة يرتبط بطبيعة الثقافة الوظيفية السائدة، حيث يفضّل عدد كبير من المواطنين العمل في القطاع الحكومي بسبب الاستقرار والرواتب والامتيازات، بينما يواجه القطاع الخاص صعوبة في جذب الكفاءات الوطنية. ومن هنا تصبح قضية التعليم مرتبطة مباشرة بإعادة هيكلة الاقتصاد نفسه، لا بمجرد تطوير المناهج أو زيادة المدارس. فالتعليم، وفق رؤية المقال، يجب أن يتحول إلى أداة لإنتاج المهارات القابلة للتوظيف والابتكار وريادة الأعمال، لا مجرد وسيلة للحصول على شهادة أكاديمية.

ويتوقف المقال مطولاً عند مؤشرات التعليم المختلفة في الكويت، مثل نسب الالتحاق في التعليم الابتدائي والثانوي، وعدد الطلبة في التعليم الخاص، ونسب الإنفاق الحكومي، إضافة إلى تطور أعداد المعلمين والمؤسسات التعليمية. وتُظهر البيانات الواردة أن الدولة استثمرت بشكل ضخم في البنية التعليمية، سواء عبر بناء المدارس أو دعم التعليم الجامعي أو تمويل الابتعاث الخارجي. لكن الكاتب يلفت إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد في التوسع الكمي، بل في رفع الكفاءة والجودة وتحقيق العائد الاقتصادي من الاستثمار التعليمي.

كما يناقش المقال تأثير التحولات الديموغرافية على التعليم الكويتي، خاصة مع ارتفاع أعداد السكان والوافدين، وما يفرضه ذلك من ضغط على البنية التعليمية والمالية العامة. ويشير إلى أن التعليم الخاص أصبح لاعباً أساسياً داخل المشهد التعليمي الكويتي، مستفيداً من الطلب المتزايد على التعليم الأجنبي واللغات والمهارات الحديثة. غير أن هذا التوسع يثير بدوره أسئلة حول العدالة التعليمية ومستويات الجودة والقدرة على توحيد الهوية التعليمية الوطنية.

ويتناول الكاتب أيضاً العلاقة بين التعليم والتنمية البشرية، موضحاً أن الدول التي استطاعت تحقيق قفزات اقتصادية كبرى فعلت ذلك عبر الاستثمار طويل الأمد في رأس المال البشري. ويقارن بصورة غير مباشرة بين الاقتصادات الريعية التي تعتمد على الموارد الطبيعية وبين الاقتصادات المعرفية التي تعتمد على الابتكار والإنتاج العلمي.

وفي هذا السياق، يطرح المقال تساؤلات حول قدرة الكويت على الانتقال من نموذج الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً يقوده التعليم والمعرفة والتكنولوجيا.

ومن النقاط المهمة التي يثيرها المقال مسألة التعليم الجامعي والتخصصات الأكاديمية، حيث يلمّح إلى وجود اختلال بين التخصصات المطلوبة اقتصادياً وبين التخصصات التي يقبل عليها الطلاب. فهناك فائض نسبي في بعض المجالات النظرية، مقابل حاجة متزايدة إلى التخصصات التقنية والهندسية والرقمية. لذلك يدعو الكاتب ضمنياً إلى إعادة مواءمة السياسات التعليمية مع التحولات العالمية، خصوصاً في ظل صعود الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتنافسية الدولية على المهارات.

ويكتسب المقال أهمية إضافية لأنه لا يكتفي بالوصف، بل يحاول تقديم قراءة اقتصادية شاملة للتعليم باعتباره استثماراً وطنياً طويل الأجل. فالإنفاق على التعليم، وفق المنطق الذي يطرحه الكاتب، يجب أن يُقاس بقدرته على رفع الإنتاجية وتقليل البطالة وتحفيز الابتكار وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. ومن دون ذلك، قد يتحول الإنفاق المرتفع إلى عبء مالي لا يحقق العائد التنموي المطلوب.

ويخلص المقال إلى أن مستقبل الكويت الاقتصادي مرتبط بصورة وثيقة بقدرتها على تطوير نموذج تعليمي أكثر كفاءة ومرونة وارتباطاً بالعالم المعاصر. فالتحدي لم يعد فقط في توفير التعليم للجميع، بل في بناء تعليم قادر على إنتاج المعرفة وصناعة المهارات وخلق اقتصاد تنافسي مستدام. ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في المناهج، وأساليب التدريس، وربط الجامعات بالقطاع الخاص، وتطوير البحث العلمي، وتحويل التعليم إلى ركيزة فعلية ضمن رؤية التنمية الوطنية.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn