الإنسانية في صميم رسالتكم والتزامكم. محاضرة/ وثيقة للدكتورة منى نعمة

كلمة موجّهة إلى طلاب جامعة العمر الثالث في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) – حالات، لبنان القتها الدكتورة منى صاهِر نعمه الحائزة على الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية تقديرًا لالتزامها بالأنشطة الروحية والإنسانية، والحائزة على وسام سيدة رتبة القديس غريغوريوس الكبير.

أولًا: الافتتاحية، التعلّم مسيرة لا يحدّها العمر

حضرات السيدات والسادة، أصدقائي الأعزاء، أحبائي طلاب جامعة العمر الثالث، في عمري، ازددت اقتناعًا بأن الحياة تبقى رحلة تعلّم حتى آخر أيامها. فكل لقاء يعلّمنا شيئًا جديدًا، وكل تجربة توسّع فهمنا للحياة، وكل محنة قد تجعلنا أكثر إحساسًا بآلام الآخرين. وكل عمل خير يذكّرنا بأن لكل واحد منا دورًا في جعل هذا العالم أكثر إنسانية.

ومن هنا، أشعر بسعادة كبيرة لوجودي بينكم اليوم، في رحاب الجامعة الأميركية للتكنولوجيا، في مؤسسة تؤمن بأن التعلّم لا يتوقف عند سنّ معينة، وأن الإنسان يستطيع أن يواصل اكتشاف قدراته، وتنمية معارفه، وتعميق علاقاته بالآخرين في كل مراحل حياته.

إن التعبير عن الامتنان لهذه الجامعة هو أيضًا تقدير لرسالتها الكريمة في إتاحة فرص التعلّم والتفاعل والنمو الإنساني. وأحيّيكم جميعًا على رغبتكم في مواصلة التعلّم والانفتاح على المعرفة والحياة.

فالجامعة ليست مجرد مكان لاكتساب المعلومات، بل مساحة للقاء وتبادل الخبرات وتجديد الصداقات وتعزيز الروابط الإنسانية.

ومن هنا، أودّ أن أتوقف عند فكرة أساسية رافقتني طوال حياتي: إن التعلّم مدى الحياة لا يعني أن نغني عقولنا بالمعرفة فحسب، بل أن نبقي قلوبنا منفتحة على الآخرين، وعلى الحياة، وعلى كل ما لا يزال بإمكاننا أن نتعلّمه.

ثانيًا: الإنسانية، أن نرى الإنسان قبل كل شيء

الإنسانية ليست مجرد مفهوم فلسفي أو شعار نردّده، بل هي طريقة في النظر إلى الإنسان والتعامل معه. هي أن نعترف بكرامة كل شخص، مهما اختلف عمره أو وضعه الاجتماعي أو معتقده أو ظروفه.

وهي أن نصغي قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن ننتقد، وأن نمدّ يد المساعدة قبل أن ننتظر المقابل. لا تحتاج الإنسانية دائمًا إلى أعمال عظيمة حتى تصنع الخير؛ فقد تكون كلمة طيبة، أو إصغاء صادقًا، أو زيارة لشخص مريض، أو وقوفًا إلى جانب إنسان يمرّ بظروف صعبة.

إن المجتمع الإنساني لا يُبنى بالإنجازات والمؤسسات وحدها، بل بتضامن أفراده، وبقدرتهم على التعاطف والتسامح والتضامن واحترام الآخر. تبدأ الإنسانية الحقيقية عندما نتوقف عن السؤال عمّا يمكن للآخر أن يقدّمه لنا، ونبدأ بالسؤال عمّا يمكننا نحن أن نقدّمه له. وهذه الفكرة ليست دعوة إلى التضحية بالذات، بل إلى إدراك أن حياتنا تكتسب معنى أعمق حين نخرج من دائرة اهتماماتنا الشخصية لنرى احتياجات الآخرين، ونساهم، كلٌّ بحسب قدرته، في تخفيف معاناتهم.

ثالثًا: جامعة العمر الثالث، المعرفة التي تجمعنا والإنسانية التي توحّدنا

إن رسالة جامعة العمر الثالث تتجاوز إتاحة فرصة التعلّم لكبار السن؛ فهي تؤكد أن الإنسان قادر على مواصلة النمو الفكري والاجتماعي والإنساني في كل مرحلة من حياته.

فالتعلّم لا يقتصر على اكتساب معلومات جديدة، بل يوسّع آفاق التفكير، ويجدّد علاقتنا بالعالم، ويساعدنا على فهم التحولات التي يشهدها مجتمعنا.

وتزداد أهمية هذا التعلّم في عالم تتسارع فيه التطورات التكنولوجية والثقافية، من الذكاء الاصطناعي إلى الصحة والفنون والتاريخ، ومن التحولات الاجتماعية إلى التحديات التي تواجه الإنسان في حياته اليومية.

تمنحنا الجامعة فرصة للتعرّف إلى موضوعات جديدة، وتبادل الأفكار والخبرات، والمشاركة في الندوات والورش واللقاءات والرحلات الثقافية التي تسهم في بناء الصداقات والحدّ من العزلة الاجتماعية.

كل طالب يحمل معه رصيدًا من الخبرات والذكريات والحكمة، وكل لقاء يتيح فرصة للتعلّم المتبادل.

إن أجمل ما في جامعة العمر الثالث ليس ما نتعلّمه فيها فحسب، بل ما نتشاركه أيضًا: المعرفة، والخبرة، والصداقة، والقيم الإنسانية التي تجمعنا. وإذا كان لكل إنسان قصته وتجربته الخاصة، فإن مشاركة هذه القصص والخبرات تساعد الآخرين على فهم الحياة ومواجهة تحدياتها. فالتجارب التي اكتسبناها، والصعوبات التي تجاوزناها، والقيم التي تربّينا عليها، تشكّل إرثًا إنسانيًا يستحق أن نتشاركه.

لكن نقل الخبرة لا يعني فرض آرائنا على الأجيال الجديدة؛ بل مشاركتها بمحبة واحترام، مع ترك المجال لكل جيل كي يبني طريقه الخاص. ومن خلال الحوار بين الأجيال، يتعلّم الشباب من حكمة الكبار، ويتعرّف الكبار إلى أفكار الشباب وتطلعاتهم. فالمجتمع يحتاج إلى طاقة الشباب بقدر ما يحتاج إلى حكمة الكبار.

رابعًا: الالتزام الإنساني، أن نحوّل القيم إلى أفعال

إن القيم النبيلة لا تكتمل بالكلام عنها، بل عندما تتحوّل إلى سلوك وممارسة يومية. فالالتزام الإنساني لا يرتبط بالعمر أو بالعمل أو بالمكانة الاجتماعية، بل بالإرادة الصادقة لخدمة الآخرين.وقد يكون العطاء في زيارة شخص مريض، أو الإصغاء إلى صديق يشعر بالوحدة، أو مساعدة عائلة محتاجة، أو تقديم الدعم لشخص يمرّ بمرحلة صعبة.

إن العمل الإنساني يتطلّب التواضع والصبر والاستمرارية، ولا ينبغي أن يكون مصدرًا للتفاخر أو التقدير الشخصي، بل تعبيرًا صادقًا عن احترام الإنسان وكرامته.

يمكن لكل فرد من أفراد جامعة العمر الثالث أن يكون مصدر خير في أسرته ومحيطه ومجتمعه، مهما كانت إمكاناته أو ظروفه. فليس المطلوب أن يقوم كل منا بأعمال عظيمة، بل أن يدرك أن كل عمل خير، مهما بدا صغيرًا، يمكن أن يترك أثرًا حقيقيًا في حياة إنسان آخر.

لا يُقاس الالتزام الحقيقي بعظمة الكلمات التي نقولها، بل بصدق الأفعال التي نقوم بها، وبالأثر الطيب الذي نتركه في حياة الآخرين.وقد لا نحتاج إلى أعمال استثنائية حتى نصنع الخير؛ فقد تكون كلمة طيبة سببًا في بثّ الأمل، وقد تكون زيارة صغيرة سببًا في التخفيف من وحدة إنسان، وقد تكون يد ممدودة بداية طريق جديد لشخص فقد الأمل.

خامسًا: الروحانية والإنسانية، الإيمان الذي يتحوّل إلى محبة وخدمة

إن الحياة الروحية العميقة تساعدنا على فهم مسؤوليتنا تجاه الآخرين، وتدعونا إلى النظر إلى الحياة بامتنان وتواضع. وفي التقليد المسيحي، تشكّل محبة القريب والغفران والرحمة وخدمة المحتاجين ركائز أساسية للإيمان. ولا ينبغي أن يبقى الإيمان مجرد قناعة داخلية، بل أن يظهر في أعمال المحبة والمصالحة ومساعدة الضعفاء.

فالروحانية الحقيقية لا تبعدنا عن آلام العالم، بل تجعلنا أكثر استعدادًا لمواجهتها بروح من التضامن والرجاء. وفي مجتمع متنوع، يبقى احترام معتقدات الآخرين والحوار معهم أساسًا لبناء السلام والعيش المشترك.

إن الإيمان، حين يقترن بالمحبة والتواضع، يساعدنا على رؤية الإنسان بكرامته، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والاختلافات التي قد تفصل بيننا. لا تبلغ الروحانية عمقها الحقيقي إلا عندما تجعلنا أكثر قربًا من الإنسان، وأكثر إحساسًا بألمه، وأكثر استعدادًا لخدمته بمحبة وتواضع.

سادسًا: العمر الثالث، مرحلة جديدة للعطاء والنمو

انطلاقًا من تجربتي الشخصية، أستطيع القول إن كل مرحلة من مراحل الحياة تحمل درسًا جديدًا وفرصة لمواصلة النمو. إن التقدّم في العمر لا يعني التوقف عن الحلم أو التعلّم أو المشاركة في الحياة العامة، كما لا يعني التخلي عن الرغبة في الاكتشاف والتجدد.

بل يمكن أن يكون العمر الثالث مرحلة جديدة نعيد فيها اكتشاف اهتماماتنا، ونوسّع معارفنا، ونعزّز علاقاتنا، ونمنح وقتنا وخبرتنا لمن حولنا. فكبار السن يحملون ثروة من الخبرات والحكمة والذكريات التي تشكّل رصيدًا ثمينًا للمجتمع.وفي المقابل، يتيح الانفتاح على التكنولوجيا والثقافات والأفكار الجديدة فرصة لمواكبة عالم يتغيّر باستمرار.

تشكّل اللقاءات والحوار بين الأجيال جسرًا يربط خبرة الماضي بطموحات المستقبل؛ فالشباب يقدّمون الطاقة والأفكار الجديدة، والكبار يقدّمون الخبرة والحكمة وبعد النظر. وجامعة العمر الثالث دليل على أن الإنسان قادر على تجديد اهتماماته، وتوسيع معارفه، وتعميق علاقاته في كل مرحلة من حياته.

قد تُبطئ السنوات بعض خطواتنا، لكنها لا ينبغي أن تُبطئ قدرتنا على التعلّم والمحبة والعطاء.

سابعًا: التكريمات والأوسمة، مسؤولية قبل أن تكون امتيازً

القد شرّفني الله بأن أنال تكريمات أعتزّ بها، من بينها الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية التي منحتني إياها الجامعة الأميركية للتكنولوجيا، ووسام سيدة رتبة القديس غريغوريوس الكبير. وأتلقّى هذه التكريمات بامتنان وتواضع، لكنني أراها أيضًا تذكيرًا بمسؤولية مواصلة الخدمة والالتزام بالقيم الإنسانية والروحية.

فالأوسمة لا تكتمل قيمتها في بريقها، بل في المبادئ التي ترمز إليها، وفي السلوك الذي نترجمها من خلاله.ولا ينبغي أن يكون النجاح مجرد قياس لما حققناه من إنجازات، بل لما قدّمناه من خير، وما تركناه من أثر في حياة الآخرين.

إن أعظم تكريم يمكن أن يناله الإنسان هو أن يعرفه الآخرون بمحبة، وأن يلمسوا في حياته أثرًا طيبًا، وأن يجدوا في حضوره ما يشجّعهم على فعل الخير.

ثامنًا: نقل الخبرة إلى الأجيال القادمة، إرث من القيم

لكل إنسان قصة وتجربة يمكن أن تساعد الآخرين على فهم الحياة ومواجهة تحدياتها.إن الخبرات التي اكتسبناها، والصعوبات التي تجاوزناها، والقيم التي تربّينا عليها، تشكّل إرثًا يستحق أن نتشاركه مع الأجيال القادمة. ولا يعني نقل الخبرة أن نفرض آراءنا على الشباب، بل أن نشاركهم ما تعلّمناه بمحبة واحترام، وأن نترك لهم المجال لاكتشاف طريقهم وبناء مستقبلهم.

كما أن نقل الإرث الإنساني لا يقتصر على المعرفة النظرية، بل يشمل المحبة والاحترام والشجاعة وروح الخدمة. ولنتذكّر أن أجمل ما نتركه وراءنا ليس فقط ما حققناه من إنجازات، بل ما نزرعه في نفوس الآخرين من رغبة في التعلّم، وإرادة في العطاء، وإصرار على البقاء أوفياء لإنسانيتنا.

تاسعًا: الخاتمة، ثلاثة التزامات تجعل الإنسانية صميم حياتنا

أصدقائي الأعزاء، أحبائي طلاب جامعة العمر الثالث، أودّ أن أختم بدعوتكم إلى الالتزام بثلاثة أمور بسيطة وعميقة في آن واحد:

أولًا، أن نستمرّ في التعلّم، لأن المعرفة تُبقي عقولنا حيّة، وتساعدنا على فهم عالمنا المتغيّر.

ثانيًا، أن نستمرّ في التواصل، لأن الحوار والصداقة والتضامن تمنح حياتنا معناها، وتحفظنا من العزلة والانغلاق.

ثالثًا، أن نستمرّ في العطاء، لأن كل عمل خير، مهما بدا صغيرًا، يسهم في بناء مجتمع أكثر عدلًا ورحمة.

أتوجّه بالشكر إلى الجامعة الأميركية للتكنولوجيا على إتاحة هذه المساحة للتعلّم والتفاعل والنمو الإنساني، وعلى إيمانها بأهمية استمرار المعرفة والتواصل في مختلف مراحل الحياة. ولنتذكّر دائمًا أننا لا نحتاج إلى القيام بأعمال عظيمة حتى نصنع الخير؛ فقد تكفي كلمة طيبة لبثّ الأمل، أو زيارة صادقة لتخفيف الوحدة، أو يد ممدودة لمساعدة إنسان يحتاج إلى الدعم.

فلنغادر هذا اللقاء ونحن نحمل في قلوبنا ثلاثة التزامات: أن نستمرّ في التعلّم، وأن نستمرّ في المحبة، وأن نستمرّ في خدمة الإنسان.

ولنجعل من الإنسانية جوهر التزامنا، ومن المحبة أساس علاقاتنا، ومن الخدمة رسالة نعيشها كل يوم، ومن القيم التي نحملها إرثًا نتركه للأجيال القادمة.

إن ما يبقى في نهاية المطاف ليس عدد السنوات التي عشناها، ولا الألقاب التي حملناها، ولا الأوسمة التي نلناها، بل المحبة التي منحناها، والخير الذي زرعناه، والأمل الذي ساعدنا الآخرين على استعادته.

فلنجعل الإنسانية في صميم التزامنا اليوم وغدًا، وطوال ما بقي لنا من عمر وعطاء.

شكرًا لكم من القلب.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn