الغربة والوطن يمثلان طرفَي مقصّ حاد. | د. خطّار حاطوم

​واهم مَن ظنّ أن الغربة مجرد تذكرة سفر، أو جغرافيا بديلة، أو بضعة أعوام يقضيها المرء في جني ما تيسر من استقرار مادي ليؤمن غده. الغربة، في حقيقتها العميقة، هي بتر غير جراحي في جسد الزمن الشخصي للإنسان، وانشطار حاد في الهوية يترك المرء معلقاً في منطقة رمادية، فلا استرد أرضه الأولى، ولا هو امتلك أرضا جديدة.

إنها حالة الاغتراب الوجودي التي يعيش فيها ملايين البشر خلف واجهات زجاجية من النجاح المصطنع، بينما تخوض أرواحهم حرباً صامتة لا يسمع ضجيجها أحد.​

يدخل المغترب في دوامة هذا التناقض منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماه أرض الشتات. يبدأ في تشييد جدران عازلة حول وعيه ليتحمل ثقل الأيام. يرى الشوارع النظيفة، يلمس النظام والدقة، وينعم برفاهية العيش التي غابت عن وطنه. لكن، وفي ذروة هذا الاستقرار الظاهر، يصطدم بسؤال الروح الحارق: هل أنا بخير حقاً؟ هنا تبدأ اللعبة النفسية الأخطر في حياة المغترب، حيث يبدأ في “كتابة الكذبة وتصديقها”. يُقنع نفسه، ويقنع أهله عبر شاشات الهواتف الباردة، بأن كل شيء على ما يرام، وأن الراحة التي ينشدها قد تحققت. غير أن الطمأنينة لا تُشترى بالإسمنت النظيف، والنفس البشرية لا تخدعها أضواء المدن الباهرة إذا كان باطنها يضج بالاقتلاع.​

هذا التناقض يتجلى بأبشع صوره عند طقس “العودة”. يظن المغترب أنه يعود إلى بيته ليرمم ما انكسر، فيحمل أشواقه وذكرياته التي جمدها في مخيلته لسنوات، متوقعاً أن يجد كل شيء كما تركه. ليُصدمَ بأن عقارب الساعة في وطنه لم تتوقف لأجله؛ الملامح تغيرت، والناس كبروا وانشغلوا بتفاصيل بقائهم اليومي، والشوارع التي حفظها غيباً بدلت جلودها. يقف المرء في منتصف بيت أهله، بين ناسه الذين يحبهم، فيشعر ببرودة الغربة تجتاح أطرافه وهو في عقر داره. يكتشف أنه بات غريباً في المكان الذي اعتبره يوماً ملاذه الوحيد. وحين يعجز عن التكيف مع هذا التغير، يبدأ في ممارسة الكذبة العكسية؛ يضيق ذرعاً بالواقع الجديد، ويهمس لنفسه بلوعة: “ليتني أعود إلى غربتي”. وعندما يعود، يدرك أنه عاد إلى سجن مريح، لا إلى وطن بديع.​

إن العيش في هذه المسافة المعلقة ينتج إنساناً مبتوراً، يعيش حياته بـ “التأجيل”. فهو يؤجل سعادته الحقيقية حتى يعود، ويؤجل استقراره النفسي حتى يستقر هناك، لتمر سنوات العمر وهو يمارس طقس الانتظار في محطة قطار لا تأتي. لا في بلده استطاع أن يكمل العيش ويتصالح مع فوضاه ووجعه، ولا في الغربة استطاع أن يبني انتماءً حقيقياً يضرب جذوره في التراب الجديد. إنه الفصام الصامت الذي لا يتحدث عنه المغتربون في مجالسهم؛ خوفاً من أن يُتّهموا بجَحد النعمة، أو ضعف الإرادة، فيفضلون ابتلاع الغصة وإظهار الابتسامات في الصور التذكارية.

​أمام هذا التمزق النفسي، يبرز السؤال الوجودي الأكبر: أين هو الملاذ الآمن إذن؟ وإلى أين يلتجئ هذا الكائن المعلق بين ضفّتين؟

​الملاذ الحقيقي لا يملك جغرافيا, وليس له عنوان بريدي، ولا تحدّه جدران. إن الملاذ، في هذه الحالة، يتحول من مساحة مكانية إلى حالة شعورية داخلية. إنه السكينة التي يصيغها المغترب عندما يتصالح أخيراً مع حقيقة تشظّيه، عندما يدرك أن “الوطن” لم يعد أرضاً بل أصبح مخزناً للذكريات الحميمة، وصوت الأهل القديم قبل أن تدخله نبرة العتب والمسافات، ورائحة الشتاء في أزقّة الطفولة. الملاذ هو تلك المساحة السرّية في الروح التي لا تطالها قوانين الهجرة ولا تبدلها تصاريف السياسة.

​إن الغربة والوطن يمثلان طرفَي مقصّ حاد، كلما تحرك المغترب بينهما خطوة، كلما اقتطعا جزءاً من روحه وهويته. وفي نهاية المطاف، يكتشف الإنسان الذي اختار الشّتات أنه لم يكسب الأرض الجديدة ولم يحافظ على أرضه القديمة، بل أصبح مجرد مسافر دائم، يحمل وطنه في حقيبة، وغربته في قلبه، ويمشي في دنيا الله بحثاً عن أمان معلق في مسافة لا تُقطع، وأمل لا يصل.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn