هذه الصفحة من مذكّراتي الشخصية. أكتبها اليوم لا بوصفها قصةً متخيَّلة، بل ذكرى حقيقية من سنوات الدراسة، ما زالت ترافقني بعد عقود. ذكرى امرأة علّمتني أن التعليم ليس نقل المعرفة فقط، بل القدرة على إنقاذ قلبٍ في لحظة ضعفه. أكتبها وفاءً لمعلمة تركت أثرًا عميقًا في حياتي: المعلمة نجلاء أبو عاصي.
كنت يومها في الصف العاشر، أي في الأول الثانوي، في ثانوية مارون عبود في عاليه، في جبل لبنان. كانت تلك المرحلة من أصعب أيام حياتي. لم أكن مثل معظم التلامذة الذين يأتون إلى هذه المرحلة محاطين بعائلاتهم ودفء بيوتهم. كنت قد عرفت الفقد في سنٍّ مبكرة جدًا.قُتل والدي وأنا في أسبوعي الأول من العمر، قبل أن تتشكل في ذاكرتي صورة لوجهه أو صوتٍ يناديني باسمي. أما أمي، فقد تركتني في عامي الخامس. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت جدتي هي العالم كله بالنسبة إليّ.
كانت المرأة التي احتضنت طفولتي، وعوّضت بقدر ما تستطيع غياب الأب والأم معًا.كبرت وأنا أرى في تلك الجدة البسيطة معنى العائلة. كانت بيتًا صغيرًا من الحنان في عالمٍ بدا لي قاسيًا في كثير من الأحيان. لكن الحياة لم تتركني طويلًا في هذا المرفأ. ففي السنة التي كنت فيها في الصف العاشر، رحلت جدتي أيضًا. رحلت المرأة التي كانت آخر خيطٍ يربطني بشعور العائلة.
دخلت المدرسة في تلك السنة وأنا أحمل داخلي صمتًا أثقل من عمري. كنت أجلس بين زملائي، أتابع الدروس، أجيب أحيانًا وأصمت كثيرًا. لكن خلف هذا الهدوء كان هناك فراغٌ كبير. كنت أراقب التلامذة وهم يتحدثون عن أمهاتهم وبيوتهم، فأشعر أنني أنتمي إلى قصةٍ مختلفة.
حتى مظهري كان يعكس ضيق الحال. كنت أرتدي اللباس نفسه كل يوم تقريبًا. لم يكن الأمر اختيارًا، بل كان فقرًا صامتًا يرافقني أينما ذهبت. بعض الزملاء لم يلاحظوا، وبعضهم لاحظ دون تعليق. لكن هناك عينًا واحدة رأت أكثر مما كان ظاهرًا.
كانت تلك العين عين المعلمة نجلاء أبو عاصي. لا أعرف متى بدأت تلاحظني. ربما في لحظة صمت داخل القاعة، أو في نظرةٍ أطول من المعتاد، أو حين رأت تلميذًا يجلس وحده دائمًا كأنه يفضّل العزلة على الضجيج. لكنها لم تكتفِ بالملاحظة. اقتربت بهدوء، كما يقترب إنسانٌ يشعر أن أمامه روحًا تحتاج إلى كلمةٍ أو حضور.
كانت تقف إلى جانبي بطريقة لا تشبه الشفقة، بل تشبه الحنان. لم تكن تسألني أسئلةً محرجة أمام الآخرين، ولم تكن تفتح جراحًا لا أريد أن أتحدث عنها. لكنها كانت تعرف، بطريقة يصعب تفسيرها، أن هذا التلميذ يحتاج إلى شيءٍ يشبه العائلة، ولو في حدود المدرسة.مع مرور الوقت، صار حضورها في حياتي أكثر من مجرد معلمةٍ تشرح درسًا. كانت تلاحظ ما لا يقوله الكلام، وكانت تمنحني ذلك الشعور النادر بأن هناك من يرى الإنسان خلف الظروف.
في تلك المرحلة من حياتي كنت قد فقدت الثقة بكلمةٍ كبيرة مثل عيد الأم. كانت الكلمة بالنسبة إليّ مجرد عبارةٍ جميلة في الكتب أو في الاحتفالات المدرسية، لكنها بعيدة عن تجربتي الشخصية. كنت أظن أن هذه الكلمة لا تخصّني.
لكن الحياة أحيانًا تعيد تعريف الكلمات بطريقةٍ لا نتوقعها.جاء يوم الحادي والعشرين من آذار. في المدرسة كان الجميع يستعد للاحتفال بعيد الأم. حفلاتٌ صغيرة، كلمات، ورود، وتصفيق. زملائي يتسابقون لتقديم الهدايا، وأنا كنت أتعامل مع ذلك اليوم بصمتٍ معتاد. لم أكن معتادًا على الاحتفال به، ولم يكن لدي ما يدفعني إلى الشعور بأنه يومٌ يخصّني.
في ذلك اليوم طلبت مني المعلمة نجلاء أن أحضر الحفل. لم أعرف سبب إصرارها، لكنني احترمت طلبها وجئت. جلست في زاوية من القاعة، أتابع الفقرات وكأنني أشاهد مشهدًا لا يعنيني.ثم جاء دورها.
وقفت أمام الجميع، أمام التلامذة والمعلمين. تحدثت بهدوءٍ أولًا، ثم التفتت نحوي. نظرت إليّ بعينيها الحنونتين، وقالت كلماتٍ تجمدت لها الأنفاس في صدري: “أنا فخورة بأن أكون أمًا لفاروق.” توقفت اللحظة في تلك القاعة. شعرت وكأن الزمن تباطأ فجأة، وكأن كل الوجوه اختفت، ولم يبقَ إلا صوتها يتردد في المكان. لم أفهم فورًا ما الذي يحدث، لكنني شعرت بشيءٍ عميق يتحرك في داخلي. كان ذلك أشبه بانهيار جدارٍ من الصمت بنيته حول قلبي منذ سنوات.
في تلك اللحظة لم تكن مجرد معلمةٍ تتحدث عن تلميذ. كانت إنسانةً تعيد لطفلٍ فقد الكثير من الأشياء شعورًا بسيطًا لكنه عظيم: أنه ليس وحيدًا في هذا العالم.كانت تلك اللحظة، ببساطة، لحظةً عوّضتني عن أشياء كثيرة.
منذ ذلك اليوم تغيّرت نظرتي إلى معنى الأمومة. لم تعد بالنسبة إليّ مجرد علاقة دم، بل أصبحت معنى إنسانيًا أوسع: أن يرى إنسانٌ ألم إنسانٍ آخر، فيمدّ له يدًا صادقة.مرت سنواتٌ طويلة منذ تلك اللحظة. تغيّرت أمكنة كثيرة في حياتي، وتبدلت الظروف، لكن تلك الذكرى بقيت ثابتة في القلب. كلما جاء عيد المعلم أتذكر تلك المرأة التي فهمت صمت تلميذ، ولم تكتفِ بتدريس الدروس، بل حاولت أن تداوي روحًا جريحة.
ربما لم تدرك يومها كم كان تأثير كلماتها عميقًا. وربما اعتبرت ما فعلته أمرًا بسيطًا في مسيرة التعليم. لكن بالنسبة إليّ لم يكن بسيطًا أبدًا.لقد علّمتني درسًا لا يكتبه أي كتاب: أن المعلم الحقيقي لا يعلّم العقول فقط، بل يلمس القلوب أيضًا.
لهذا أكتب هذه الصفحة من مذكّراتي اليوم، لا لأروي قصةً شخصية فحسب، بل لأقول إن في مدارسنا معلمين يصنعون فرقًا حقيقيًا في حياة التلامذة. معلمون قد يغيّرون مصير إنسانٍ بكلمةٍ واحدةٍ صادقة.إلى المعلمة نجلاء أبو عاصي: ربما لا تكفي الكلمات لردّ الجميل، لكنني أردت أن تعرفي أن تلك اللحظة التي قلتِ فيها إنكِ تفتخرين بأن تكوني أمي لم تكن مجرد عبارةٍ في احتفالٍ مدرسي.
كانت حياةً كاملة أُعيدت إلى قلبٍ كان يظن أنه فقد الكثير.وإن كان للمعلم عيد، فلأن في العالم معلمين مثلك، يعرفون أن التعليم في جوهره ليس مهنةً فقط، بل رسالةٌ إنسانيةٌ عظيمة.
فشكرًا لكِ، لأنكِ لم تكوني مجرد معلمةٍ في حياتي، بل كنتِ لحظة أمومةٍ حقيقية، في زمنٍ كان فيه القلب يبحث عن أم.



