منذ أن بدأ الإنسان يسعى إلى المعرفة، ارتبط التعليم بفكرة التحرر. كان المعلّم رمزًا للنور في مواجهة الجهل، والمدرسة فضاءً للتفكير النقدي، والفكر وسيلة لفكّ القيود لا لتثبيتها.
غير أنّ ما نعيشه اليوم في ظل الثورة الرقمية يُشير إلى انقلابٍ عميق في هذا المعنى. فالمعرفة التي كانت تحرّر صارت تُراقِب، والتعليم الذي كان يسعى إلى التنوير صار محكومًا بمنطق التتبع والتحليل. نحن أمام ولادة بيداغوجيا جديدة، بيداغوجيا البيانات، حيث لا تُبنى المعرفة من أجل الوعي، بل من أجل الهيمنة.
لم تعد المعرفة حكرًا على المعلم، ولا على المدرسة، ولا حتى على الإنسان. لقد أصبحت الخوارزميات هي التي تُعلّمنا، ترشدنا، وتقيّمنا من دون أن نشعر. وإذا كانت الحداثة قد جعلت من التعليم مشروعًا للتحرر، فإن الثورة الرقمية جعلت منه مشروعًا للمراقبة والتوجيه. هذه المفارقة تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة، وبين المتعلّم والنظام التعليمي، لتُنتج نوعًا جديدًا من السلطة، ناعمة الملمس لكنها شديدة الفعالية.
حين شاع القول إن “البيانات هي نفط القرن الحادي والعشرين”، كان التركيز منصبًّا على قيمتها الاقتصادية. لكن هذا التشبيه يخون جوهر التحوّل القائم؛ فالنّفط يُحرّك الآلات، بينما البيانات تُعيد تشكيل الوعي. نحن أمام مادة غير مرئية، لكنها تملك قدرة استثنائية على صياغة أنماط التفكير والسلوك، ليس عبر الإكراه أو العقوبة، بل عبر التخصيص، والتوصية، والتغذية الراجعة المستمرة. إنّها السلطة التي لا تُرى، لكنها تُوجّه كل شيء.في المجال التربوي، يتجلّى هذا التحول بوضوح. لم يعد المتعلم ذلك الكائن الساعي إلى المعرفة، بل تحوّل تدريجيًا إلى “مولّد بيانات”. كل نقرة، كل تفاعل، كل تأخير في الإجابة، تتحول إلى رقم يُغذّي نظامًا خفيًا يرسم ملامح شخصيته التعليمية. في البداية بدا الأمر واعدًا: أنظمة ذكية تحلل الأداء لتحسين التعلّم. لكن مع الوقت، صار التعلّم ذاته خاضعًا لمنطق التحليل.
لم تعد العملية التربوية غاية في ذاتها، بل وسيلة لتغذية آلة لا تشبع من البيانات. وهكذا أصبحت الخوارزمية المعلمَ الصامت، يراقب ويقيس ويقرر من دون نقاش.
تتجلى هذه الظاهرة اليوم في المنصات التعليمية الكبرى مثل Google Classroom أو Coursera، حيث تُتابَع كل حركة للمتعلّم: مدة الفيديو التي يشاهدها، عدد المرات التي يعيد فيها المحاضرة، وحتى سرعة كتابته للإجابة. هذه البيانات تُستخدم لتخصيص المحتوى وتحسين تجربة المستخدم، لكنها في الوقت ذاته تصنع “بروفايلًا معرفيًا” للطالب، تحدد ما يناسبه وما لا يناسبه، إلى حدّ أنّه قد لا يخرج من الإطار الذي رسمته له الخوارزمية. وهكذا ننتقل من التعليم الموجّه نحو الإنسان، إلى التعليم الموجّه نحو النظام.
النتيجة أننا أمام تربية جديدة تُصاغ فيها السلطة من دون أوامر. فحين تحدد المنصات الرقمية ما نقرأ، ومتى نتوقف، وأيّ طريق نسلك نحو “النجاح”، فهي لا تُعلّمنا فقط، بل تُبرمجنا على أنماط محددة من الفهم والطاعة. لم تعد السيطرة تمارس عبر العقاب أو الامتحان، بل عبر الإقناع الصامت والتحفيز الموجّه. وهكذا تظهر أشكال جديدة من الطاعة الخوارزمية، حيث نتصرف كما تتوقع منا المنصة، لا كما نختار نحن.
ليست هذه مؤامرة تقنية، بل منطق النظام المعرفي الجديد الذي يجعل البيانات مقياسًا للحقيقة. حين يُصبح “الأكثر مشاهدة” هو “الأكثر صدقًا”، تنزاح الحقيقة من مجال الفكر إلى مجال الإحصاء. تفقد المعرفة معناها النقدي وتتحول إلى أداة للضبط الاجتماعي. وما يجري في التعليم يجري في الإعلام والسياسة والسوق أيضًا: كلّها فضاءات تُدار اليوم بالخوارزميات التي تُكافئ السلوك المرغوب وتُقصي المختلف. إنها نسخة رقمية من “الهيمنة الثقافية” التي تحدث عنها غرامشي، لكن بأدوات أكثر أناقة وأقل صخبًا، إذ لا تحتاج إلى رقابة بوليسية، بل إلى واجهة لطيفة تقول لك: “نقترح لك هذا لأننا نعرف ما يناسبك.
”في مواجهة هذا الواقع، لا نحتاج إلى رفض التكنولوجيا أو الهروب منها، بل إلى امتلاك وعي نقدي بها. الوعي بأن البيانات ليست محايدة، وأن الذكاء الاصطناعي لا يتنبأ بمستقبلنا فحسب، بل يكتبه على صورته. على التربية أن تستعيد دورها التاريخي في تحصين الإنسان ضد التبسيط الخوارزمي، وأن تزرع في المتعلم قدرة على مساءلة الأرقام لا تقديسها.
يجب أن نعلّم أبناءنا كيف ينظرون إلى البيانات، لا فقط كيف يستخدمونها؛ كيف يطرحون الأسئلة التي لا تستطيع الآلة الإجابة عنها.ربما يكون النفط قد غيّر شكل العالم الصناعي، لكن البيانات تُغيّر شكل الإنسان نفسه.
وحين تتحول المعرفة إلى وسيلة للهيمنة، يصبح واجب المربين والمفكرين أن يعيدوا للتعلّم معناه الأول: فعلًا من أفعال الحرية، ومساحةً للدفاع عن جوهر إنسانيتنا في وجه سلطة رقمية ناعمة، تتحدث لغة التقدم بينما تُعيدنا – بخوارزمية دقيقة – إلى زمن الطاعة المطلقة.



