رسالة مفتوحة إلى من يهمه الأمر في هذا الوطن… إن كان ما زال هناك من يهمه الأمر.
لن أهنئ المعلّم في عيده هذا العام، فالكلمات لم تعد تليق بحال صار فيه العيد مجرّد مناسبة بروتوكوليّة تُلقى فيها الخطب فيما المعلم ينهار بصمت.
ما أطلبه له اليوم ليس التهاني، بل نعمة الصبر… لأنّ الصبر وحده بات رأس ماله الأخير. أتحدّث إليكم وأنا الذي أمضى ثلاثة وأربعين عاماً في خدمة هذه الرسالة، وما زلت أحملها كأنّها عهد.
لكن السؤال الذي ينهشني اليوم ليس عن الماضي بل عن المستقبل: هل سيبقى بعدنا من يقبل أن يحمل هذه الرسالة ؟ هل سيأتى جيل جديد يختار التعليم طريقاً، أم أننا نشهد اليوم الأفول الأخير لمهنة كانت يوماً من أشرف المهن؟
من يسأل عن المعلم في هذا البلد؟ أهي الدولة؟ أم وزارات التربية المتعاقبة التي تبدل خطاباتها ولا تبدّل واقعاً؟ أم إدارات المدارس التي تحصي الأرقام وتنسى البشر ؟
في لبنان، ليست التربية أولوية… إنها بند هامشي في دفتر مثقل بالمصالح والصفقات. أما المعلم، فصار في نظر كثيرين رقماً على لائحة رواتب، أو خادماً في صف دراسي.
والأقسى من ذلك نظرة بعض الأهالي الذين يظنون أنفسهم أبناء طبقة أرستقراطية فينظرون إلى المعلم باستخفاف فاضح، متناسين أن هذا المعلم نفسه ابن عائلات عريقة في الكرامة والثقافة، وأن من يعلّم أبناءهم إنما يصنع مستقبلهم.
وأختم بقصة ليست من لبنان… لأن مثل هذه القصص لم تعد ممكنة هنا .
في اليابان، كانت هناك محطة قطار تعرف باسم كامي-شيراكي. حين لم يبقَ من الركاب سوى طالبة واحدة، لم تغلقها الدولة بحجّة الخسارة. لم تقل إنّ الكلفة أكبر من الفائدة. بل اتخذت قراراً بسيطاً وعميقاً: الإبقاء على الخط من أجلها وحدها. عدلوا جدول القطارات ليتناسب مع دوامها المدرسي: قطار في الصباح يحملها إلى المدرسة، وآخر في المساء يعيدها إلى بيتها.
لسنوات ظلّ القطار يشقّ طريقه وسط الثلوج… من أجل حلم واحد فقط. وفي آذار 2016 ، تخرّجت الفتاة من المدرسة الثانوية. عندها فقط أغلقت المحطة بهدوء، بعدما أدّت رسالتها كاملة.
هناك… تحركت دولة كاملة من أجل تعليم طالبة واحدة. أما هنا… فنحن عاجزون حتى عن حماية كرامة آلاف المعلمين الذين يربون أجيال الوطن.
لهذا لن أقول اليوم عيد معلّم سعيد. بل سأقول بمرارة: رحم الله زمناً كان فيه المعلم ضمير الأمة، لا ضحيتها.



