ما وراء الثكل والأرملة: إعادة تعريف المرأة كنصف المجتمع الفاعل. | د. بيار الخوري

تعد المرأة العربية في الدول العربية التي شهدت نزاعات دموية نموذجاً استثنائياً في إدارة الأزمات العابرة للأجيال، حيث تجاوز دورها في الحروب المتعاقبة والنزاعات المسلحة حدود الرعاية التقليدية لتصبح صمام الأمان الهيكلي للمجتمع في ظل تحلل مؤسسات الدولة، إذ تفرض التحولات الجيوسياسية والأمنية واقعاً تضطر فيه النساء إلى ابتكار آليات صمود وتكيف تتجاوز الأطر النمطية للضحية، لتتحول المرأة إلى قائدة في اقتصاد الحرب وضامنة للتماسك الاجتماعي وسط الركام.

تتجلى محورية دور المرأة في الحروب من خلال انتقالها القسري من دور الشاهدة إلى عماد البقاء، حيث تقع على عاتقها مسؤولية إعادة تعريف مفهوم “البيت” في مراكز النزوح أو تحت القصف، وتبرز قدرتها الفائقة على تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء وماء وسط انقطاع سلاسل الإمداد، مما يجعلها تدير “ميزانية النزاع” ببراعة تضمن استمرارية الحياة للأسرة بأقل الموارد المتاحة.

تترك النزاعات المسلحة آثاراً مباشرة وعميقة على المرأة اللبنانية نتيجة التهجير القسري الذي يسلبها خصوصيتها وأمانها الشخصي، مما يؤدي إلى تزايد الأعباء النفسية المتمثلة في القلق المزمن واضطرابات ما بعد الصدمة، فضلاً عن تدهور صحتها الجسدية نتيجة تراجع الخدمات الإنجابية والوقائية، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع ضغوط هائلة لاستعادة التوازن العائلي بينما تعاني هي نفسها من فقدان الاستقرار المكاني والاجتماعي.

يمتد إسهام المرأة إلى التمكين الاجتماعي والاقتصادي عبر انخراطها الواسع في العمل التطوعي والمبادرات المحلية التي تعوض غياب الأجهزة الرسمية، حيث تساهم في إطلاق مشاريع متناهية الصغر وإدارة المطابخ المجتمعية وتوزيع المساعدات، مما يعزز من دورها كلاعب أساسي في إعادة بناء النسيج المجتمعي وتخفيف حدة التوترات الطائفية أو المناطقية التي قد تنتج عن ضغط النزوح، وهو ما يمهد الطريق لمشاركة سياسية ومدنية أكثر فاعلية في مرحلة ما بعد الحرب.

تواجه المرأة في مناطق النزاع تحديات مركبة تشمل تزايد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والفقر المدقع الناتج عن فقدان المعيل أو تدمير الممتلكات، بالإضافة إلى العقبات القانونية والاجتماعية التي تعيق وصولها إلى العدالة أو الخدمات الصحية المتخصصة، كما يمثل تراجع فرص الفتيات في التعليم في ظل الأزمات تهديداً طويل الأمد لمكتسبات المرأة المجتمعية، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً لحماية الفئات الأكثر هشاشة من الاستغلال والهميش.

تتطلب صياغة استراتيجيات دعم فعالة تبني حلول عملية تبدأ بإشراك النساء بشكل حقيقي في مراكز صنع القرار المتعلقة بالإغاثة وإعادة الإعمار، وتفعيل القوانين التي تحمي المرأة من العنف بكافة أشكاله، مع ضرورة إطلاق برامج تمكين اقتصادي تعتمد على القروض الميسرة والتدريب المهني المرتبط باحتياجات السوق، وتوفير شبكات أمان صحي ونفسي متكاملة بدعم دولي يضمن استدامة المبادرات المحلية، لضمان تحويل صمود المرأة من فعل اضطراري إلى مسار مستدام للتمكين والريادة.

تفرض الحروب والنزاعات المسلحة في الواقع المعاصر ضرورة ملحة لإعادة صياغة المفهوم التقليدي للمرأة، حيث يتجاوز هذا التحول حصرها في أدوار الضحية أو “الثكلى” و”الأرملة” التي تستدعي الشفقة، لينتقل بها إلى تعريف بنيوي بوصفها النصف الفاعل والحيوي للمجتمع، إذ تتحول الأزمات إلى مختبر قسري يثبت أن استمرارية الحياة العامة والخاصة لا تكتمل إلا بفاعلية النساء اللواتي يملأن الفراغ الذي تتركه المؤسسات المنهارة والغياب القسري للرجال بسبب الانخراط في القتال أو الهجرة.

​يتبلور هذا التعريف الجديد من خلال كسر القوالب النمطية التي تربط المرأة بمشاعر الحزن والانتظار فقط، لتصبح هي المحرك الأساسي للاقتصاد المنزلي والمجتمعي في أحلك الظروف، فهي لم تعد مجرد “فقد” بل أصبحت “إيجاداً” للحلول المبتكرة، حيث تدير الموارد المحدودة وتتخذ القرارات السيادية داخل الأسرة والمجتمع المحلي، مما يرسخ قناعة مجتمعية بأن المرأة هي الركيزة التي يستند إليها الوطن في لحظات انعدام الوزن السياسي والأمني.

​إن إعادة تعريف المرأة كنصف المجتمع في سياق النزاع تعني الاعتراف بقدرتها على القيادة الميدانية وإدارة الأزمات الإنسانية بكفاءة تضاهي أو تتفوق على الأطر البيروقراطية، حيث يظهر هذا التحول في تحولها من متلقية للمعونة إلى موزعة لها، ومن مراقبة للأحداث إلى صانعة للأمان الاجتماعي، وهو ما يفرض تغيير النظرة القانونية والاجتماعية تجاهها لتنتقل من خانة “التابع” أو “المتضرر” إلى خانة “الشريك الكامل” في صياغة حاضر البلاد ومستقبلها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn