مشهدٌ لم تألفه العين، وربّما لهذا السبب دخل القلب قبل أن يُدركه البصر.حين نشر الأستاذ غازي صعب مدير المكتبة الوطنيّة في بعقلين، صور عروسين يتّخذان من رفوف المكتبة خلفيّة لصور خطوبتهما، توقّفت طويلًا أمام المشهد. لم تكن مجرّد صور جميلة، بل كانت رسالة صامتة تختصر الكثير ممّا نعجز عن قوله بالكلمات.
ما الأجمل من اتحاد قلبين؟ وما الأجمل من أن يُعلَن هذا الحب في حضرة الكتب؟ في مكانٍ تتعانق فيه الثقافة والفكر والتربية، وتُصان فيه ذاكرة الإنسان ومعنى وجوده. كأنّ العروسين أرادا أن يقولا إنّ الحب ليس لحظة عابرة، بل فكرة عظيمة كُتبت عنها آلاف الصفحات، وحملها الفلاسفة والشعراء والأدباء على أكتاف أحلامهم منذ فجر التاريخ.

لم تكن الصورة مختلفة بعدستها فحسب، بل برمزيتها العميقة. بين رفوف الكتب، بدا الحب أكثر نضجًا، وأكثر اتّساعًا، وأكثر شبهًا بالحياة التي تستحق أن تُعاش.
لكنّ تفصيلًا آخر هزّني من الداخل…العروسان من الجنوب.عروس جنوبيّة تحتفل بحبّها في مكتبة شوفيّة، في مشهدٍ لبنانيّ بامتياز، تتلاشى فيه الحدود الصغيرة أمام اتّساع الوطن. عندها انتابني شعورٌ يصعب تفسيره. شعورٌ يشبه الدعاء أكثر ممّا يشبه الفكرة.
تمنّيت من أعماقي أن يعود إلى الجنوب عرسه، وفرحه، وأغانيه، وحقوله، وأرضه التي تستحق أن تُزهر بالحب لا بالخوف، وبالحياة لا بالانتظار. تمنّيت أن يعود الجنوب جزءًا كاملًا من فرح هذا الوطن، كما كان دائمًا جزءًا من كرامته وصموده.

وربّما أدركت في تلك اللحظة أنّ الثقافة التي نحتاجها اليوم أكثر من أيّ وقت مضى ليست ثقافة الاختلاف والانقسام، بل ثقافة السلام. ثقافة الحب. ثقافة الإنسان.فمن الشوف إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى كلّ لبنان، لعلّ أجمل ما يمكن أن نكتبه في كتاب هذا الوطن هو أن يبقى الحب صفحته الأولى والأخيرة.الكاتبة ليال أمان الدين


