نساء رائدات في إدارة المكتبات: كيف كسرت المرأة احتكار الرجال لعالم المكتبات | استعراض مقال هنري زغيب في اسواق العرب

في هذا المقال المنشور في مجلة أسواق العرب الصادرة من لندن، يسلّط الكاتب اللبناني هنري زغيب الضوء على تجربة تاريخية مهمّة في مسار تمكين المرأة، من خلال استعراض نماذج نسائية رائدة استطعن اقتحام مجال إدارة المكتبات العامة في زمنٍ كان فيه هذا المجال حكرًا على الرجال.

يقدّم المقال قراءة تاريخية لعدد من الشخصيات النسائية التي لعبت دورًا حاسمًا في تطوير المكتبات وتحويلها إلى مؤسسات ثقافية مفتوحة للجميع، وفي الوقت نفسه فتح الطريق أمام النساء للمشاركة في إدارتها وقيادتها.

ينطلق المقال من ملاحظة بسيطة تبدو اليوم بديهية: دخول مكتبة عامة والعثور على امرأة في مكتب الاستعلامات أو المبيعات، أو موظفات يساعدن القرّاء في العثور على الكتب. غير أن هذه الصورة المعاصرة لم تكن مألوفة في بدايات المكتبات العامة. فحين تأسست أولى المكتبات العامة في القرن التاسع عشر، وبالتحديد عام 1833، كان العمل فيها يقتصر تقريبًا على الرجال.

حتى إن وجود النساء داخل المكتبات كان محدودًا للغاية، وغالبًا ما اقتصر دورهن على خدمة الأطفال الزائرين، فيما بقيت الوظائف الإدارية والمهنية العليا حكرًا على الذكور.

لكن هذا الواقع لم يدم طويلًا، إذ ظهرت نساء رائدات تحدين القيود الاجتماعية والمؤسسية التي فرضت عليهن، ونجحن في كسر هذا الاحتكار الذكوري. ومن خلال إصرارهن ومبادراتهن، استطعن أن يغيرن بنية العمل المكتبي وأن يفتحن المجال أمام مشاركة نسائية أوسع في هذا الحقل الثقافي.

أولى هذه الشخصيات هي ماري فوي التي تعدّ من أبرز رائدات النساء في إدارة المكتبات. ففي عام 1880، حين كانت في الثامنة عشرة من عمرها، تقدمت بطلب للعمل في مكتبة لوس أنجلس العامة. وبقبول طلبها من قبل بلدية المدينة، أصبحت أول امرأة تتولى إدارة مكتبة عامة.

كانت المكتبة في ذلك الوقت متواضعة للغاية، عبارة عن شقة صغيرة تضم ثلاث غرف في الطابق الثاني من مبنى البلدية. لكن التحدي لم يكن في حجم المؤسسة، بل في طبيعة القيود المفروضة على النساء في تلك الفترة.ففي ذلك الزمن لم يكن مسموحًا للمرأة أن تحمل بطاقة مكتبة باسمها، ولا أن تستعير كتابًا مباشرة.

كان عليها أن تستخدم بطاقة زوجها، ثم تنتظر في غرفة مخصصة للنساء إلى أن يجلب لها الموظفون الكتاب الذي طلبته. ومع تولي ماري فوي إدارة المكتبة، بدأت عملية تغيير تدريجية في هذه القواعد. فقد أدخلت نظام الفهرسة الحديثة، وفتحت أبواب المكتبة أمام النساء دون القيود السابقة، ما شكّل خطوة مهمة في تحديث العمل المكتبي وتعزيز دور المرأة في الحياة الثقافية.

بعدها يتوقف المقال عند تجربتين بارزتين في تطوير المكتبات العامة، هما إليزابيت بوثام سوهلر وآنا إليوت تيكنور. فقد عُينت هاتان السيدتان عام 1890 في مجلس إدارة مكتبة ماساتشوستس العامة، لتكونا أول امرأتين تشغلان موقعًا من هذا النوع في مؤسسة مكتبية كبرى. عملتا معًا بروح تكاملية، وركزتا على توسيع دور المكتبات في المجتمع.

كانت إليزابيت تدافع بقوة عن فكرة أن يكون في كل مدينة أو بلدة مكتبة عامة متاحة للجميع، وأن الاستثمار في المكتبات هو استثمار في الثقافة العامة للمجتمع. وعلى مدى ستة وثلاثين عامًا من العمل، أسهمت في تحقيق هذه الرؤية تدريجيًا، بالتعاون مع جمعيات تربوية نسائية في بوسطن. ومن أبرز مبادراتها إنشاء مكتبات جوالة تصل إلى المناطق البعيدة، ما أتاح للكتب أن تصل إلى جمهور أوسع خارج المدن الكبرى.

وفي إحدى هذه الجولات التقت إليزابيت بالسيدة آنا إليوت تيكنور، التي كانت بدورها ناشطة في مجال التعليم النسائي. وأسفر التعاون بينهما عن مشروع تربوي مبتكر تمثل في تأسيس جمعية تشجع الدراسة المنزلية عبر المراسلة، وهو ما يمكن اعتباره أحد أوائل نماذج التعليم عن بعد في التاريخ الحديث.

وقد ساعد هذا النظام عشرات النساء على متابعة تعليمهن وتحقيق طموحاتهن الثقافية، كما أنشأت إليزابيت لاحقًا مكتبة عامة تضم آلاف الكتب لخدمة هذا المشروع التعليمي.ومن الشخصيات البارزة أيضًا في تاريخ نساء رائدات في إدارة المكتبات السيدة تريزا إلمندورف، التي كانت شخصية قيادية في مجال تنظيم المكتبات وتوسيع انتشارها.

عملت في مكتبة ميلووكي العامة، ومن خلال موقعها هذا تمكنت من لعب دور أساسي في تأسيس عدد من المكتبات العامة في المناطق الشرقية من الولايات المتحدة. كما نجحت في إقناع ولاية ويسكونسن بإنشاء مكتبات عامة جديدة عام 1891، ما عزز انتشار الثقافة المكتبية في تلك المناطق.

وقد تُوج نشاطها الواسع بإنجاز تاريخي آخر، إذ أصبحت أول امرأة تترأس جمعية المكتبات الأميركية خلال عامي 1911 و1912. ويعد هذا المنصب أحد أهم المواقع القيادية في عالم المكتبات، ما يعكس المكانة التي وصلت إليها النساء تدريجيًا في هذا المجال.

ويواصل المقال استعراضه مع شخصية فرجينيا بروكتور فلورنس، التي تمثل نموذجًا آخر من نماذج الإصرار والتحدي. كانت أول امرأة أميركية من أصول أفريقية تحصل على شهادة جامعية في إدارة المكتبات.

عاشت طفولة صعبة بعد وفاة والديها عام 1913، وانتقلت للعيش مع عمتها التي كانت تدير صالونًا لتزيين السيدات. درست الأدب الإنجليزي في الجامعة، لكنها واجهت صعوبات في العثور على عمل.

غير أن حياتها أخذت منعطفًا جديدًا بعد زواجها من رجل مهتم بعالم المكتبات، شجعها على العودة إلى الدراسة والتخصص في إدارة المكتبات. وبعد تخرجها عملت عام 1922 في مكتبة بيتسبرغ العامة، رغم أن الظروف العنصرية آنذاك لم تسمح لها حتى بلقاء المسؤولين في المؤسسة. لكن مثابرتها قادتها لاحقًا إلى العمل في مكتبة نيويورك العامة عام 1927، حيث أمضت سنوات طويلة من حياتها المهنية. وبعد تقاعدها، كرست جهودها مع زوجها للدفاع عن حقوق الإنسان.

أما النموذج الأخير في المقال فهو كلارا ستانتون جونز، التي تمثل مرحلة أكثر تقدمًا في تاريخ مشاركة المرأة في إدارة المكتبات. فقد أصبحت أول امرأة أميركية من أصول أفريقية تتولى إدارة مكتبة عامة كبرى. ولدت في نيو أورلينز، ولم يكن لها في البداية أي ارتباط بعالم المكتبات، لكن عملها في مكتبة مدينتها فتح لها الطريق نحو هذا المجال.

انتقلت لاحقًا إلى مكتبة ديترويت العامة عام 1944، وبعد سنوات من العمل المتدرج تولت إدارتها عام 1970. وقد واجه تعيينها آنذاك اعتراضات من بعض الموظفين، بل إن بعضهم استقال احتجاجًا. إلا أن ذلك لم يمنعها من الاستمرار في موقعها القيادي. وفي عام 1976 أصبحت أول امرأة من أصول أفريقية تتولى رئاسة جمعية المكتبات الأميركية، وهو منصب بقيت فيه حتى تقاعدها عام 1978.

يخلص المقال إلى أن هذه الشخصيات النسائية لم يكتفين بكسر القيود الاجتماعية التي فرضت عليهن في زمنهن، بل ساهمن أيضًا في إعادة تعريف دور المكتبات العامة في المجتمع. فبفضل جهودهن أصبحت المكتبة فضاءً مفتوحًا للبحث والقراءة والتعليم، ومؤسسة ثقافية يمكن للنساء أن يشاركن في إدارتها وقيادتها. وهكذا تحولت تجارب نساء رائدات في إدارة المكتبات إلى مصدر إلهام لأجيال لاحقة من النساء اللواتي دخلن هذا المجال وأسهمن في تطويره.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.