الرأس المال البشري وتقدم الدول والاقتصادات (قراءة في تجربة النّمور الأسيوية). بقلم حسّان خضر

يعتبر رأس المال البشري مهم للاقتصاد والمجتمعات والاستقرار، وكذلك للأجيال القادمة، فعندما تخفق الدول في الاستثمار في رأس المال البشري، تصبح التكلفة ضخمة خاصة في الاقتصادات التي تعتبر فيها الحكومة والايرادات العامة للدولة هي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي.

ومع التقدم التكنولوجي فإن فشل الدول في تمهيد الطريق أمام مواطنيها ليعيشوا حياة منتجة لن يفضي إلى تكاليف عالية فحسب، بل من المرجح أن يولد المزيد من التفاوتات الاجتماعية والتخلف عن الكثير من الدول.

وقد أصبح الاستثمار في الدول المتقدمة في رأس المال البشري بجميع أنواعه أكبر من الاستثمار في رأس المال المادي، الأمر الذي أوجد القاعدة الضرورية لبناء ما يعرف اليوم بالاقتصاد المعرفي أو التكنولوجي، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال مراجعة التجارب الناجحة للعديد من الدول التي نجحت في التحول من اقتصادات نامية الى دول متقدمة.يُعرف البنك الدولي رأس المال البشري بأنه المعرفة والمهارات التي تراكمت لدى الناس على مدى حياتهم والتي تمكنهم من تحقيق إمكاناتهم كأعضاء منتجين في المجتمع.

ويعتبر الاستثمار في رأس المال البشري ضروري للحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام والازدهار. وتشير معظم الكتابات العلمية إلى أن العنصر البشري من أهم العناصر الإنتاجية التي يمكن أن تساهم في تحقيق التنمية، لكن لن يؤدى هذا العنصر دوره دون تعليم وتدريب.

وتشير نظريات النمو الاقتصادي إلى أن التقدم التقني يزيد من معدل النمو الاقتصادي طويل الأجل، ومن هنا فإن معدل الزيادة في التقدم التقني يكون أسرع كلما كانت قوة العمل أحسن تعليما، كما أن تراكم رأس المال البشرى يعد مصدرا من مصادر النمو المستدام.

واستطراداً، يُعد الاستثمار في رأس المال البشري أعلى أنواع الاستثمار قيمةً، وأكثرها أهمية لتحقيق النمو الاقتصادي الحقيقي والمستدام، ولذلك تعتبر الموارد البشرية مقياساً أساسياً لثروة الأمم، وتؤكد نظريات الاستثمار في رأس المال البشري أن هناك علاقة إيجابية بين الاستثمار في التدريب والتعليم وبين الأداء الاقتصادي. وخير مثال على ذلك هو تجارب بعض الدول الآسيوية التي انتقلت بفضل التدريب والتعليم من لائحة الدول النامية الى مصاف الدول الصناعية والمتقدمة، وهي ماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة.

تعتبر التجربة الماليزية من التجارب الجديرة بالتأمل وخصوصاً أنها تتميز بكثير من الدروس التي من الممكن أن تأخذ بها الدول النامية كي تنهض اقتصادياً وصناعياً. فخلال نحو خمسة وعشرون عاماً تبدلت الأمور في ماليزيا من بلد يعتمد بشكل أساسي على تصدير بعض المواد الأولية الزراعية إلى بلد مصدر للسلع الصناعية، في مجالات المعدات والآلات الكهربائية والإلكترونيات.

ولم يكن تحقيق ماليزيا لنمو اقتصادي مطرد إلا انعكاسا واضحا لاستثمارها في العنصر البشري، فقد نجحت في تأسيس نظام تعليمي قوي ساعدها على تلبية الحاجة من قوة العمل الماهرة. كما ساهم هذا النظام بفعالية في عملية التحول الاقتصادي من قطاع تقليدي زراعي إلى قطاع صناعي حديث، ويوظف التعليم كأداة حاسمة لبلوغ مرحلة التقدم والتطور.

إن نجاح السياسات في الاقتصاد المعرفي القائم على تقنية المعلومات والاتصالات التعليمية في ماليزيا أدى إلى أن يحقق الاقتصاد تراكما كبيرا في رأس المال البشري الذي هو عماد التنمية وجوهرها. فقد أولت الحكومة عناية خاصة بالتعليم، خاصة التعليم الأساسي والفني، واستخدمت اعتمادات مالية كبيرة في مجالات العلوم والتقنية، حتى المجالات الإنسانية تم دعمها أيضا بواسطة القطاع الخاص، وتم استقدام خبرات أجنبية في كافة مستويات التعليم العالي والتقني لتلبية احتياجات سوق العمل المحلية، وهو ما ساهم في رفع مهارة قوة العمل التي أصبحت من المزايا التفضيلية للاقتصاد الماليزي.

مما لا شك بأن ماليزيا قد قامت بالتركيز بالدرجة الأولى على تنمية عقل الإنسان وتطوير قدراته وتنويع مصادر ثقافته من خلال التعليم والتدريب والاحتكاك بالتجارب الناجحة، ومن ثم توفير البيئة المحفزة لتفجير طاقاته الكامنة وجعله ضمن فريق التغيير وإشعاره بأنه جزء من هذه التنمية الشاملة، وأن مستقبله مرتبط بنهضة ورقي بلاده، وعليه، أصبح التركيز على التنمية البشرية كونها عماد التطور الاقتصادي والضامن لرفاهية الفرد، والنمو الاقتصادي.

وقد تظَهَر هذا في حجم الاقتصاد الماليزي الاسمي الذي ارتفع من حوالي 94 بليون دولار عام 2000 الى نحو 422 بليون عام 2024 (بارتفاع بلغ متوسطه 14% سنويا)، كما ارتفع خلال الفترة عينها متوسط دخل الفرد من 12 ألف دولار في السنة الى ما يزيد عن 34 ألف دولار سنوياً.

وكذلك، استطاعت كوريا الجنوبية في فترة لم تتجاوز ثلاثين سنة أن تحقق نمو اقتصادي سريع وأن يصبح اقتصادها ينافس أكبر القوى الاقتصادية في العالم. فبالرغم من العديد من العقبات التي واجهت كوريا الجنوبية من كثافة سكانية كبيرة، فقر، بطالة مرتفعة، نقص التغذية وظهور المجاعة وافتقارها للموارد الطبيعية، إلا أنها استطاعت ان تجتاز كل هذه التحديات وتصبح معجزة اقتصادية. وتشير البيانات بأن حجم الاقتصاد الكوري الجنوبي قد ارتفع من 566 بليون دولار أمريكي عام 1995 الى ما يناهز 1.9 تريليون دولار عام 2024.

وفي السياق ذاته، ارتفع خلال الفترة عينها متوسط دخل الفرد من 7 آلاف دولار في السنة الى ما يزيد عن 36 ألف دولار سنوياً.

فكوريا الجنوبية تعد نموذجا ناجحا على جميع الأصعدة، سواء الاقتصادية، الاجتماعية، التكنولوجية والسياسية. إن تجربة كوريا الجنوبية في التنمية الاقتصادية جعلت منها معجزة بكل ما للكلمة من معنى، بحيث أصبحت الآن منتجاتها من أكبر الأسماء العالمية في العديد من الصناعات على غرار السيارات والسفن والأدوات الكهرو-منزلية، وكذا التكنولوجيا المتطورة التي تتميز به، ناهيك أيضا عن ترتيبها ضمن أفضل الدول في أهم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. ففي ظل غياب الموارد الطبيعية ونقص رأس المال توجهت القيادة الكورية إلى الاعتماد على رأس المال البشري، لذلك اهتمت بالاستثمار في مجال التعليم ومدارس التكوين المهني، لتطوير إنتاجية عمالها وتحسين مهاراتهم بما يتواكب مع التطورات التكنولوجية التي تزامنت مع عمليات التصنيع السريع.

وأولت الدولة اهتماما خاصا للتدريب وتكوين المهنيين مع التركيز على العلوم والتكنولوجيا، حيث بلغ عدد الطلبة الذين يدرسون في الشعب التقنية والعلمية حوالي 70% من مجموع الطلبة. وقد بدأ تحول الاقتصاد الكوري إلى اقتصاد المعرفة مع بداية السبعينات من القرن الماضي، حيث اعتمدت كوريا على القروض الخارجية لتمويل عمليات الاستثمار في رأس المال البشري ونقل التكنولوجيا على نطاق واسع والاتجاه نحو تكثيف الصناعات عالية التقنية، مما ساعدها على رفع الانتاجية الكلية لعناصر الإنتاج وسمح لها بالتفوق على الكثير من الاقتصاديات المتقدمة، وكان للتعليم أثر ايجابي مهم على النمو الاقتصادي. وتتلخص التجربة الكورية الجنوبية في اهتمامها الكبير بجانب التدريب وتحقيق تنمية بشرية، فالعامل البشري هو أساس أي نهضة سواء اقتصادية أو غيرها. في الانفاق الكبير على البحث والتطوير، والاهتمام بالتكنولوجيا، خاصة الحديثة منها.

من جانبها، صَمّمت سنغافورة سياساتها في اكتشاف المواهب البشرية والاستفادة منها، حيث شكل التعليم المفتاح الحقيقي للانتقال للعالم الأول والمنافسة الاقتصادية العالمية من خلال الاستثمار الحقيقي في العناصر أو الموارد البشرية، وهذا مكن سنغافورة من استقطاب كبرى الشركات العالمية للعمل فيها نظرًا لحسن تعليم وتدريب وانضباط السنغافوريين.

إن الحفاظ على موقع سنغافورة التنافسي على المستوى العالمي تطلب منها رفع مستوى انتاجية السلع والخدمات، وهذا ما حدا بها الى انشاء المجلس الوطني للإنتاجية في العام ١٩٨١ والذي يعمل من خلال برامج مختلفة على صقل المهارات البشرية وتنميتها لإيصالها الى مستويات عالية من الإنتاجية. وتأكيدا لشعاره ” الجودة في العمل تعني الجودة في نوعية الحياة ” اخذ المجلس على عاتقه منذ العام ١٩٩١ مهمة تنظيم حملات للارتقاء بالإنتاجية.

وتتويجا لجهودها في هذا المجال بدأت سنغافورة ابتداءً من العام ١٩٩٥ خطتها الخمسية للارتقاء بمستوى الانتاجية اعتمادا على مفهوم الابتكار والجودة من خلال ايصال التنمية في البلاد الى هدفين هما: رفع مستوى كفاءة عوامل الانتاج (المدخلات)، وتشجيع الابتكارات لتطوير عمليات التجديد في مختلف المنتجات.

من اجل ذلك سعت سنغافورة الى ايصال نمو الانتاجية الكلية لعوامل الانتاج الى مستوى لا يقل عن ٢ %سنويا.ولم يقف الامر عند هذا الحد بل قام المجلس بأنشاء ما يسمى بصندوق تنمية المهارات الذي نظم دورات تدريبية لآلاف العمال من مختلف المؤسسات والشركات السنغافورية لتدريبهم على مراقبة الجودة، كما قامت الحكومة بدعم جهود الشركات السنغافورية في مجال التدريب لموظفيها. وتشير البيانات بأن حجم الاقتصاد السنغافوري قد ارتفع من 12 بليون دولار أمريكي عام 1990 الى ما يقارب 547 بليون دولار عام 2024.

وفي السياق ذاته، ارتفع خلال الفترة عينها متوسط دخل الفرد من 12 ألف دولار في السنة الى ما يزيد عن 90 ألف دولار سنوياً.

وختاماً، فالعنصر البشرى كان ولا يزال أحد أهم عجلات التقدم لأي دولة، فالعقل البشرى هو الذي يبدع ويبتكر ويصنع، وبالتالي فإن اعتماد أي دولة على استيراد التقنيات والعمالة المدربة لا يكفي لكي تتقدم، بل لابد أن يتوافر لديها مخزون من القدرات البشرية الواعية والقادرة على تحقيق الاستخدام الأمثل لتلك الموارد وخلق اساس متمكن قادر على دفع الاقتصاد والمجتمع إلى الأمام. وكما يقول اقتصادي العمل الأمريكي فريدريك هاربيسون: في كتابه «الموارد البشرية كثروة للأمم»: “إن الموارد البـشرية، وليس رأس الـمال، ولا الدخـل، ولا الموارد المالية هي التي تشكل القاعدة الرئيسية لرفاهية وغنى الشعوب.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn