ليس خافيا على احد ان التعليم الخاص في لبنان سبق التعليم الرسمي ، بل قبل نشوء دولة لبنان الكبير عام 1920 . بدءا بمراحله كافة مع الارساليات الاجنبية التي قدمت الى متصرفية جبل لبنان في القرن الثامن عشر ، حيث انتشرت مئات المدارس الصغيرة التي اسستها الارساليات الانجيلية الاميركية والارساليات الكاثوليكية مثل اليسوعيين والعازاريين .
تأخر التعليم الرسمي لمرحلة ما بعد الاستقلال حتى خرج الى الوجود ، فالدولة اللبنانية بعد نشؤها ورثت نظام تعليمي متكامل ومستقل في بنيته عنها يؤثر فيها ولا تؤثر فيه . اذ لم تكن الدولة متحمسة لتأسيس تعليم رسمي فاعل وناجح . الا انه سجلت قفزة نوعية في نمو المدارس الرسمية في الحقبة الشهابية ، حيث انتشرت المدارس الحكومية في الاطراف ، الا ان هذه القفزة الشهابية لم تكن شاملة ، ولم تهدف اطلاقا الى حلول المدرسة الرسمية مكان الخاصة ، فالانصهار الوطني والاندماج الاجتماعي والانتماء الوطني من مقدماته وحدة مرجعية التعليم . لذا اقصى ما انجزته الشهابية توفير خدمة التعليم الاساسي لشرائح اجتماعية محرومة في الاطراف .
ففي فترة ما بعد الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975 ومع بلورة اتفاق الطائف لم تتغير فلسفة الدولة للتعليم ، فالاصل هو التعليم الخاص الذي فرّخ مدارس طائفية وحزبية ومناطقية ترفده الدولة من خلال المساعدات المالية التي تمنح للموظفين وللمدارس الخاصة المجانية ، وذلك كله على حساب المدرسة الرسمية الوطنية .
فمثلا احصى التفتيش التربوي عام 2004 ان ثمة 1435 مؤسسة تعليمية رسمية في لبنان ، 36.4% من ابنيتها ملك الدولة ، و 41.6% من هذه الابنية مستأجرة ، يبقى 22% من الابنية على عاتق السلطات المحلية ( بلديات ، اوقاف ، تقديمات … ) ، ومن بين هذه الابنية 276 معدا اساسا للسكن ، و 477 بناءا بحاجة الى صيانة وترميم ، و 337 بناءا يلزمها اضافات ، و1176 بناءا غير صالح يجب استبداله ، فضلا عن 283 بناءا مشتركا بين مدرستين ( نظام دوامين ) ، وفي كثير من هذه المدارس لا تتوفر المستلزمات المادية والفنية المناسبة لتطبيق المناهج التعليمية . ولولا المدارس التي شيدها مجلس الجنوب في محافظتي الجنوب والنبطية ومنطقة البقاع الغربي ، ومجلس الانماء والاعمار في بيروت ومناطق اخرى لكان الوضع مأساويا .
كذلك احصى التفتيش التربوي العام الدراسي 2002/2003 في التعليم الثانوي ، 9979 استاذا في الملاك وبالتعاقد ، 77418 تلميذا بمعدل 9 تلاميذ للمعلم الواحد . واحصى في التعليم الاساسي 30077 معلما في الملاك وبالتعاقد ، و 273699 تلميذا ، بمعدل 9 تلاميذ للمعلم الواحد .
في حين احصى التفتيش التربوي عام 2005 مسحا شاملا للمدارس الرسمية جاء فيها ، انه من اصل 1386 مدرسة رسمية عاملة ، يوجد 41 مدرسة يقل فيها عدد التلاميذ للمعلم الواحد عن تلميذيين ، وأن 76 مدرسة يقل فيها عدد التلاميذ للمعلم الواحد عن 3 ، و109 مدارس عن اربعة ، 246 عن ستة و303 مدرسة عن ثمانية . علما ان 79% من المدارس تضم صفوفا لرياض الاطفال ، و 55% من معلمات الروضة هن في الملاك والباقي بالتعاقد ، و 43% منهن فقط اختصاصهن الروضة . وقد ارتفع عد المتعاقدين عام 2007 الى 9483 متعاقد . علما انه لا يزيد نسبة الانقاق على التعليم عن 2% من الدخل القومي وذلك وفقا لتقرير التنمية البشرية لبرنامج الامم المتحدة الانمائي .
ازاء هذا الواقع ادى الى انعدام الثقة بالمدرسة الرسمية ، وتراجع جودة التعليم الرسمي ادى الى تكاثر المدارس الخاصة كالفطريات بين عامي 2000 و 2010 وفق احصاء المركز التربوي للبحوث والانماء .بيد ان الازمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان وما زال يرزح تحت تأثيرها ، ادت الى تغيير تدريجي في تعامل الاسر مع نوعية التعليم ، وتجلى هذا التغيير في عاملين اساسين هما : الانتقال من التعليم الخاص المجاني و الخاص غير المجاني الى التعليم الرسمي بنسبة وصلت العام الدراسي 2020/2021 ، الى نحو 6% من اجمالي عدد تلاميذ لبنان ، وعادت لتعود وترتفع بنسبة 10% العام 2021/2022 .وبحسب احصاء المركز التربوي للبحوث والانماء للعام الدراسي 2023/2024 بلغ عدد المسجلين في المدارس الرسمية 25.6% ، و 11.4% خاص مجاني ، و 59.6% خاص غير مجاني والاونروا 3.4% ، فبلغ 74.4% من تلامذة لبنان خارج المدرسة الرسمية . اذ بلغ مجموع التلامذة في المدرسة الرسمية 277216 في حين بلغ في التعليم الخاص المجاني 23504 ، والتعليم الخاص غير المجاني 645879 ، والاونروا 37250 .
وبحسب الاستطلاع الذي اجراه الباحث في مركز الدراسات اللبنانية محمد حمود مع بداية العام الدراسي 2025 ان 46% من التلامذة انتقلوا هذا العام من المدارس الخاصة الى الرسمية ، وذلك بسبب الازمة الاقتصادية وضغط التكاليف المعيشية ، وليس تغييرا في قناعات الاهالي اتجاه جودة التعليم الرسمي .
وتشير نتائج الدراسة ان الفجوة بين دخل الاسرة ومتطلبات التعليم لا تزال شاسعة رغم تحسن محدود في المداخيل خلال السنوات الاخيرة . ففي عام 2025 اصبحت كلفة تعليم طفل في مدرسة خاصة تعادل نحو اربع اضعاف متوسط الدخل الشهري للاسرة . كما افد ثلثا الاهالي المشاركين في الاستطلاع ( 1089 ولي امر من مختلف المحافظات ) بانهم يعانون باستمرار من صعوبة تسديد الفواتير المنزلية وتغطية نفقات التعليم والمعيشة ، فيما اشار 3% فقط انهم نقلوا ابناءهم الى مدارس خاصة بسبب ما وصفوه ” تراجع جودة التعليم الرسمي ” .ويقول حمود إن ” النتائج تظهر بوضوح ان المسألة مالية بحتة ، فمعظم الاسر لم تعد قادرة على دفع الاقساط ، والمخاوف من تراجع مستوى التعليم الرسمي لم تكن كافية لوقف الانتقال القسري نحوه ” .
واخيرا في ظل هذه المعطيات لا نسعى الى المفاضلة بين التعليم الرسمي والخاص . إلا انه يبقى التعليم الرسمي بوصلة التعليم في لبنان من اجل العدالة والمساواة الاجتماعيين لبناء وطن ومواطنون يقدرون قيم المواطنة بعيدا عن التشظي الطائفي والمذهبي وفي ظل الازمات التي تعصف بهذا البلد.
وعليه لن اقوم بسرد توصيات فكلها معروفة ومتداولة وتزخر بها الادبيات والمقالات والكتب وجلها اراء قيّمة ان على مستوى المدرسة الرسمية او الخاصة ، إلا انه تبقى العبرة في القرار والارادة بالتغيير فلا شييء مستحيل فمع الارادة المخلصة والقرار الحاسم والتخطيط السليم المستحيل ممكن .
– الحلاق ناديا . لبنان امام خريطة تعليمية جديدة : 46% من التلامذن يتركون المدارس الخاصة ؟، هنا لبنان ، 9 تشرين الاول 2025
– الديار .تحديات امام التعليم الرسمي … وهاجس العبء المالي يؤرق الاهالي في الخاص ، 11 ايار 2025- الأنباء . ازمة التعليم الرسمي في لبنان في السياسات أو الاسترتيجيات؟، . 2025
– البنك الدولي . لبنان : الازمة الاقتصادية هي الاسوأ منذ منتصف القرن التاسع عشر . تقارير البنك الدولي ، 2021.
– وزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية . النظام التربوي اللبناني : التعليم الرسمي زالخاص . بيروت ، 2024 .- تقارير التفتيش التربوي اللبناني .
– تقارير مركز البحوث والإنماء اللبناني .- مصادر ودراسات اخرى ….



