يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي في تونس نمواً متسارعاً يعكس رغبة الدولة في التحول إلى قطب تكنولوجي إقليمي، حيث تترجم هذه الديناميكية عبر استضافة قمم دولية كبرى ومؤتمرات متخصصة كان آخرها القمة الدولية عام 2025، وصولاً إلى تنظيم فعاليات تقنية متقدمة في مدينة الحمامات خلال عام 2026 لمناقشة تطبيقات هذه التقنية في قطاع الاتصالات.
وتستند هذه النهضة إلى قاعدة تعليمية وتدريبية صلبة برزت من خلال إطلاق دورات تكوينية بالشراكة مع شركات عالمية رائدة مثل “إنستاديب” لتأهيل الكفاءات المحلية، بالإضافة إلى تأسيس جامعة “بريستيني” للذكاء الاصطناعي كأول مؤسسة جامعية متخصصة في هذا المجال على مستوى تونس وأفريقيا، وهو ما جعل البلاد تحتل المرتبة الثانية أفريقياً في مؤشر جاهزية مواهب الذكاء الاصطناعي لعام 2025، والمرتبة الخامسة عربياً ضمن مؤشر “تورتوز” العالمي.
وفي سياق التخطيط بعيد المدى، تعمل تونس حالياً على صياغة استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى دمج أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن مخطط التنمية 2026-2030، مع التركيز المكثف على دعم الشركات الناشئة والابتكار الرقمي في شتى القطاعات الحيوية مثل الزراعة والتعليم وتطوير الأعمال.
ولتحقيق هذه التطلعات، تبرز مجموعة من التوصيات الجوهرية التي يجب العمل عليها، وفي مقدمتها ضرورة صياغة إطار تشريعي مرن يوازن بين أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتحفيز الابتكار، بما يسمح للشركات الناشئة بتجربة حلولها في بيئة قانونية آمنة.
كما يتطلب المسار القادم تكثيف الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية عبر إنشاء مراكز بيانات وطنية سيادية وتوفير قدرات حوسبة عالية الأداء لتقليل الاعتماد على المزودين الخارجيين. ومن الضروري أيضاً تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتوفير صناديق تمويل جريء تدعم المشاريع الابتكارية وتحد من هجرة الأدمغة التونسية نحو الخارج، بالإضافة إلى العمل على إدراج الثقافة الرقمية في المناهج التعليمية منذ المراحل الأولى لضمان استدامة الكفاءات.
إن تبني هذه التوصيات سيسهم بشكل مباشر في تعزيز الشفافية الحكومية وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، مما يضع تونس في مسار استراتيجي واعد لتحقيق قفزة نوعية في الاقتصاد الرقمي وتجاوز الصعوبات الاقتصادية عبر المراهنة على تكنولوجيا المستقبل.



