لماذا ينحرف العقل؟ وهل يجب الخوف من الذكاء البشري في عصر الذكاء الاصطناعي؟ | كتبت عبير درويش

يُعَدّ العقل البشري السمة الأبرز التي تميّز الإنسان، فهو مصدر الإبداع والابتكار، لكنه قد يتحوّل في لحظات معينة إلى عامل خطر عندما ينحرف نحو الإجرام. ومن زاوية علمية ومهنية، لا يمكن اختزال الإجرام في كونه شرًا منفصلًا عن الطبيعة الإنسانية، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين عوامل نفسية واجتماعية وبيولوجية وبيئية. ومع بروز الذكاء الاصطناعي في عصرنا الراهن، طُرحت تساؤلات جديدة حول ما إذا كان هذا التطور سيؤدي إلى تصاعد الجريمة أم سيسهم في الحد منها.

تشير أبحاث علم الإجرام إلى أن السلوك الإجرامي لا ينتج عن سبب واحد، بل عن تشابك مجموعة من العوامل. فالعوامل النفسية، مثل ضعف التحكم بالذات والاندفاعية وتدنّي التعاطف واضطرابات الشخصية، تظهر بنسب أعلى لدى مرتكبي الجرائم في عدد من الدراسات، إذ تبيّن أن نسبة كبيرة من السجناء كانوا يعانون اضطرابات شخصية وقت ارتكاب الجريمة، ما يعكس الدور المحوري للحالة النفسية. كما تلعب تجارب الطفولة دورًا حاسمًا، إذ ترتبط الخبرات السلبية المبكرة بارتفاع احتمالات الانخراط في أنماط إجرامية في مراحل لاحقة من الحياة. إلى جانب ذلك، تؤثر البيئة الاجتماعية بقوة، حيث يرتبط الفقر والبطالة والتهميش الاجتماعي بلجوء بعض الأفراد إلى وسائل غير قانونية لتأمين الموارد، وهو ما أكدته دراسات اجتماعية عديدة.

وتحاول النظريات النفسية والاجتماعية في علم الإجرام تفسير هذا السلوك من زوايا مختلفة، إذ تركز نظرية التحكم الذاتي على دور التنشئة المبكرة في ترسيخ القدرة على ضبط النفس، وترى أن غياب هذه القدرة يزيد احتمالات الانحراف. في المقابل، تفترض نظرية التوتر أن التناقض بين الأهداف الثقافية السائدة والوسائل المتاحة لتحقيقها قد يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن طرق غير قانونية. أما نظرية الاختيار العقلاني، فتنظر إلى الجاني باعتباره فاعلًا يوازن بين المكاسب المحتملة والتبعات الاجتماعية أو القانونية قبل الإقدام على الفعل. وغالبًا ما تُستخدم هذه المقاربات مجتمعة لفهم كيفية تفاعل العقل البشري مع محيطه واتخاذه قرارات إجرامية.

مع تطور الذكاء الاصطناعي، أضيف بُعد جديد إلى النقاش حول الجريمة، ليس بسبب العقل البشري فحسب، بل لأن التكنولوجيا نفسها قد تُستخدم بطرق تحمل مخاطر مستحدثة. فقد أظهرت دراسات عدة أن الذكاء الاصطناعي قادر على تعزيز فعالية أنظمة العدالة الجنائية عبر تحليل البيانات الضخمة، واكتشاف الأنماط الإجرامية، ودعم التحقيق في الأدلة الرقمية. كما تساعد نماذج التنبؤ بالجريمة في توجيه الموارد الأمنية نحو مناطق يُحتمل أن تشهد نشاطًا إجراميًا، ما يرفع من مستوى الوقاية، ويُسهم اعتماد الأدوات الذكية في تقليص الزمن والجهد اللازمين للتحقيقات وتحسين سرعة الاستجابة.في المقابل، لا يمكن تجاهل المخاطر المرتبطة بإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت الجرائم الإلكترونية توسعًا ملحوظًا مع توظيف الخوارزميات في عمليات احتيال متقدمة، مثل التصيد الاحتيالي والبرمجيات الخبيثة القادرة على اكتشاف الثغرات الأمنية تلقائيًا. كما واجهت جهات أمنية، خاصة في أوروبا، ازديادًا في حالات استغلال المحتوى المزيّف، بما في ذلك تقنيات التزييف العميق، لأغراض الاحتيال أو الابتزاز. ويُضاف إلى ذلك خطر الانتهاكات القانونية وحقوق الأفراد عندما تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي دون رقابة صارمة، ما قد يؤدي إلى تحامل خاطئ أو ممارسات تمييزية داخل الإجراءات القضائية.

يرى المتخصصون في علم النفس وعلم الإجرام أن الذعر من العقل البشري مبالغ فيه، إذ إن الغالبية الساحقة من البشر لا تنخرط في الجريمة، وتؤكد الأدلة العلمية أن العوامل البيئية والتنشئة الاجتماعية تلعب دورًا حاسمًا إلى جانب السمات النفسية. ولا تشير المعطيات إلى أن الذكاء بحد ذاته يقود إلى الإجرام، بل إن غياب الضوابط الأخلاقية والقيم المجتمعية هو ما يعزز لدى بعض الأفراد الميل إلى مسارات ضارة. وبالمثل، يتفق الباحثون على أن الخطر المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها وتنظيمها، إذ يمكن أن تكون أداة فعالة لتعزيز الوقاية والتحقيق، أو وسيلة لتوسيع نطاق الاستغلال في حال غابت الأطر القانونية والأخلاقية الصارمة، ولا سيما في الجرائم السيبرانية والاحتيالات المالية.

في المحصلة، لا يبدو الخوف من العقل البشري مبررًا إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن معظم الناس يتحركون ضمن منظومات أخلاقية واجتماعية تعزز التعاون والعدالة. أما القلق من الجريمة في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي فهو قلق مشروع، لكنه قابل للإدارة عبر تعزيز التعليم النفسي والاجتماعي لفهم الجذور السلوكية للجريمة، واعتماد أطر قانونية وأخلاقية تواكب التطور التكنولوجي وتحمي الحقوق المدنية، واستخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية داخل أنظمة العدالة بهدف تحسين الوقاية ومكافحة الجريمة بدلًا من تعظيم مخاطرها. وفي النهاية، يظل كل من العقل البشري والذكاء الاصطناعي أدوات بالغة القوة، قادرة على البناء أو الهدم تبعًا للإطار الأخلاقي والقانوني والمجتمعي الذي تُستخدم ضمنه.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn