نُشر هذا المقال في صحيفة النهار اللبنانية ضمن قسم فن ومشاهير بتاريخ 5 آذار 2026، ويتناول موضوع تحدّيات العمل عن بعد في زمن الحرب من زاوية نفسية واجتماعية، مستنداً إلى رأي اختصاصية في المعالجة النفسية وإلى تجارب أشخاص يعيشون هذا الواقع.
يبدأ المقال بتوصيف التحول الذي طرأ على مفهوم العمل من المنزل في بعض المدن العربية التي تعيش ظروفاً أمنية مضطربة. فالعمل عن بعد لم يعد خياراً يرتبط بالراحة أو بأساليب العمل الحديثة فقط، بل تحوّل في كثير من الحالات إلى ضرورة فرضتها الحرب والاضطرابات الأمنية. هذا التحول أضاف إلى تجربة العمل عن بعد أعباء نفسية غير مألوفة، إذ لم يعد الموظف يواجه تحديات تنظيم الوقت أو إدارة المهام فحسب، بل أصبح يعمل تحت ضغط القلق والخوف الذي يرافقه داخل منزله.
يطرح المقال سؤالاً محورياً يتعلّق بكيفية الحفاظ على الإنتاجية في بيئة يسودها التوتر. في هذا السياق، يوضح أن تحدّيات العمل عن بعد في زمن الحرب لا تقتصر على الجانب اللوجستي المرتبط بغياب التنقل أو استخدام التكنولوجيا، بل تتعلق أساساً بالحالة النفسية للفرد وبشعوره الداخلي بالأمان. فالأمان النفسي يُعد عاملاً أساسياً في قدرة الإنسان على التركيز والتفكير واتخاذ القرار، وهي عناصر أساسية لأي عملية إنتاجية.
وتشير الاختصاصية في المعالجة النفسية للأطفال والمراهقين لارا جلول إلى أن بيئة العمل تؤثر مباشرة في الأداء. فإذا كان الشخص يشعر بعدم الأمان في محيطه، فإن هذا الإحساس يستهلك جزءاً كبيراً من طاقته الذهنية ويحد من قدرته على التركيز. أما عندما يشعر الفرد بالطمأنينة في مكان وجوده، سواء كان في المنزل أو في المكتب، فإنه يصبح أكثر قدرة على العمل بهدوء وتنظيم أفكاره. وتؤكد أن بعض الأشخاص قد يجدون في المكتب بيئة أكثر تنظيماً وأمناً تساعدهم على الإنجاز، لكن ذلك يبقى مشروطاً بكون المنطقة نفسها مستقرة وآمنة.
ويتوقف المقال عند الجانب النفسي العميق الذي يرافق تحدّيات العمل عن بعد في زمن الحرب، خصوصاً عندما يتحول القلق إلى حالة تتجاوز الحدود الطبيعية. فالتوتر المفرط وصعوبة التركيز وسرعة الغضب أو التغيرات في النوم والشهية تُعد إشارات واضحة إلى أن الحالة النفسية باتت تتطلب تدخلاً متخصصاً. وهذه الأعراض تعكس ضغطاً نفسياً يتراكم لدى الأفراد الذين يعيشون في بيئات غير مستقرة.
ومن الجوانب اللافتة التي يناقشها المقال شعور كثير من الموظفين بالذنب تجاه أنفسهم بسبب تراجع إنتاجيتهم مقارنة بالأيام العادية. فالبعض يشعر بالتقصير أو بالعجز عن العمل بنفس المستوى المعتاد. غير أن الاختصاصية ترى أن هذا الشعور غير واقعي في ظروف استثنائية، لأن الإنسان في أوقات الحروب يعيش ما يمكن تسميته “وضع البقاء”، وهو وضع يختلف جذرياً عن الظروف الطبيعية التي يُتوقع فيها الأداء المهني الكامل. لذلك يصبح التعاطف مع الذات ضرورة نفسية تساعد الفرد على التكيف مع الواقع بدلاً من زيادة الضغط عليه.
كما يسلط المقال الضوء على دور المؤسسات والشركات في التعامل مع تحدّيات العمل عن بعد في زمن الحرب. فالمطلوب من المؤسسات قدر أكبر من المرونة في إدارة العمل، مثل تعديل ساعات الدوام أو آليات التواصل، وعدم إجبار الموظفين على التنقل من مناطق غير آمنة. فالإنتاجية، وفق هذا المنطق، لا يمكن فصلها عن الشعور بالأمان، لأن العامل النفسي يؤثر مباشرة في قدرة الموظف على الإنجاز.
ويتناول المقال أيضاً تأثير متابعة الأخبار بشكل مفرط على الحالة النفسية. فالإفراط في الاطلاع على الأخبار، خصوصاً في أوقات النزاعات، يؤدي إلى تنشيط الجهاز العصبي باستمرار ويزيد مستوى التوتر لدى الفرد. ويُفسَّر ذلك بأن الدماغ البشري يميل بطبيعته إلى الانجذاب للأخبار السلبية لأنها ترتبط بغريزة البقاء. لذلك يُنصح بتحديد أوقات محددة لمتابعة الأخبار بدلاً من التعرض المستمر للتنبيهات والإشعارات.
وفي محاولة لتخفيف تحدّيات العمل عن بعد في زمن الحرب، يقترح المقال مجموعة من الممارسات اليومية التي تساعد على استعادة قدر من الاستقرار النفسي. من بينها خلق إيقاع يومي واضح يبدأ بالاستيقاظ في وقت محدد وتغيير الملابس والجلوس في مساحة مخصصة للعمل داخل المنزل. هذه الإجراءات البسيطة تساعد الدماغ على التمييز بين وقت العمل ووقت الراحة، مما يعزز التركيز ويقلل من الشعور بالفوضى اليومية.
ويعزز المقال تحليله بشهادات واقعية لأشخاص يعيشون تجربة العمل عن بعد في ظل القلق المرتبط بالحروب. يشير “زيد”، وهو فلسطيني مقيم في الإمارات، إلى أن متابعة أخبار الحرب تؤثر في حالته النفسية وتجعله أحياناً أقل قدرة على التركيز أثناء العمل من المنزل، رغم محاولاته تنظيم وقته والحد من متابعة الأخبار المستمرة. أما “ريان”، وهي لبنانية مقيمة أيضاً في الإمارات، فتوضح أن العيش في بيئة مستقرة نسبياً يمنحها شعوراً بالطمأنينة يساعدها على الحفاظ على إيقاع يومي منتظم وعلى تحقيق توازن بين متابعة الأخبار ومتطلبات العمل.
وفي ختام المقال، يؤكد الكاتب أن القرار بين العمل من المنزل أو من المكتب يعتمد في المقام الأول على عامل الأمان. فإذا كانت المنطقة غير مستقرة، فإن العمل من المنزل يصبح خياراً ضرورياً رغم تحدياته.
أما في البيئات الآمنة، فقد يوفر المكتب لبعض الأشخاص قدرة أكبر على التركيز والتنظيم. وتبقى الخلاصة الأساسية التي يطرحها المقال واضحة: لا يمكن تحقيق إنتاجية حقيقية في ظل غياب الأمان، لأن الاستقرار النفسي هو الشرط الأول لأي أداء مهني فعّال، وهذا ما يجعل تحدّيات العمل عن بعد في زمن الحرب قضية تتجاوز الإدارة المهنية لتصل إلى عمق التجربة الإنسانية في أوقات الأزمات.



