طالما كانت الأمّ المعنى الأعمق للسند، والصوت الأكثر دفئًا في عالمٍ يضجّ بالقلق. هي الملجأ حين تضيق الحياة، والطمأنينة حين ترتبك الطرق. وفي كل الأزمنة، كانت الأمّ رسالة حياةٍ لا تنطفئ، لكنّ هذه الرسالة تزداد قداسةً وعمقًا حين تمرّ الأوطان بامتحاناتٍ قاسية، كأزمنة الحرب.
وفي مثل هذه اللّحظات، تصبح الأمّ أكثر من مجرّد دورٍ عائلي، تصبح حصنًا نفسيًّا لأبنائها، ومصدرًا للثبات وسط العواصف. لذلك، رسالتي إليكِ أيّتها الأم: احفظي نفسكِ أولًا كي تحفظي أبناءكِ. تذكّري أنّ ما نمرّ به حالةٌ استثنائيّة، مهما اشتدّت لن تدوم، فالتاريخ يعلّمنا أنّ الليل مهما طال، لا بدّ أن يولد الفجر من رحم الظلام.
نحن اليوم أمام صورٍ متعدّدة للأمومة، لكلّ منها حكاية صمود مختلفة.
فهناك الأمّ التي اضطُرّت إلى ترك بيتها، وحملت عائلتها إلى المجهول، وقد لا تملك القدرة على توفير أبسط مقوّمات الحياة. لكنّها ما زالت تملك ما هو أعظم: حضنًا دافئًا، وكلمة طمأنينة، ونظرة حبٍّ تقول لأبنائها إنّها ستبذل ما تستطيع من أجلهم.
وفي أحيانٍ كثيرة، تكون العاطفة الصّادقة أعظم من كلّ الإمكانات الماديّة.وهناك الأمّ التي تعيش في منطقةٍ غير آمنة، تستيقظ كلّ يوم على قلقٍ جديد، ولا تعرف ماذا قد تحمل السّاعات القادمة لعائلتها. هنا يصبح دورها أكثر حساسيّة؛ أن تكون السند، وأن تحاول قدر الإمكان أن تسرق من الوقت لحظاتٍ بسيطة تُلهي أبناءها عن عالم الدّمار الّذي يحيط بهم.
ومع ذلك، ليس المطلوب أن تخفي الحقيقة أو تزيّفي الواقع، بل أن تشرحي لهم ما يحدث بلغةٍ مبسّطة وصادقة، تحفظ براءتهم دون أن تكذب عليهم.وهناك أيضًا الأمّ التي تعيش في منطقةٍ أكثر أمانًا، حيث بدأت المدارس تعتمد التعليم عن بُعد.
هنا قد يتسرّب القلق إلى قلبها إن لم يتمكّن أبناؤها من متابعة الدّروس كما ينبغي. لكنّ الحقيقة أنّ هذا ليس وقت تحميل النّفس أعباء جديدة. هموم هذه الأيام تكفينا جميعًا. فإن استطعتِ أن تتابعي أبناءكِ فافعلي ذلك برحابة صدر، وإن تعذّر الأمر فلا تجعلي من التّعليم مصدر توتّر إضافي.
فالتّاريخ مليء بتجارب حيّة تحوّلت فيها الخيام والرّكام إلى فصولٍ دراسيّة، لأنّ الإنسان بطبيعته قادر على تحويل المحن إلى بداياتٍ جديدة. وعلى الرّغم من الجروح النّفسيّة الصّامتة التي قد تتشكّل في أعماق أطفالنا، يبقى التّعليم في زمن الحرب نافذة أمل، وملاذًا يساعد العائلات على التشبّث بالحياة، لا عبئًا يُثقل كاهلها.
إنّ الأمّهات لسن صورةً واحدة، بل حكايات صمودٍ متعدّدة. لكلّ أمٍّ ظروفها، ولكلّ بيتٍ معركته الخاصة. لكنّ ما يجمعهنّ جميعًا هو تلك القوّة الخفيّة التي تجعل الأمّ قادرة على الوقوف، حتى حين يبدو العالم كلّه متعبًا.
وفي النّهاية، ليس المطلوب من الأمّ أن تكون خارقة، بل أن تبقى إنسانةً تحبّ، وتصبر، وتحاول. فالصّمود لا يعني أن نكون بلا خوف، بل أن نستمرّ رغم الخوف.وما علينا اليوم إلا أن نصمد… كلٌّ منّا على طريقته، وكلٌّ بحسب قدرته، إلى أن تعود للحياة ملامحها الهادئة، ويكبر أبناؤنا وهم يتذكّرون أنّ أمّهاتهم كنّ الضوء الذي لم ينطفئ في أكثر الأوقات عتمة.الكاتبة: ليال أمان الدين



