نُشر هذا المقال في موقع الجزيرة، ويتناول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السنوات الأخيرة: هل أصبح جيل زد بالفعل أقل ذكاء من الأجيال السابقة؟ ينطلق المقال من نقاش علمي واجتماعي معقد يرفض الأحكام السطحية، لكنه في الوقت نفسه يعرض مؤشرات مقلقة تتعلق بتراجع المهارات المعرفية والتحصيل الدراسي، خاصة لدى الأجيال التي نشأت بالكامل داخل العالم الرقمي.
يفتتح الكاتب شادي عبد الحافظ مقاله بقصة بحثية من النرويج تعود إلى عام 2018، حين توصل الباحثان أولي روغبيرغ وبيرنت براتسبرغ إلى نتائج تشير إلى تراجع بعض مؤشرات القدرات العقلية لدى الأجيال الأحدث مقارنة بالأجيال السابقة. لكن المقال يوضح منذ البداية أن الحديث عن “جيل أذكى” أو “جيل أغبى” من الناحية البيولوجية هو طرح غير علمي، لأن الفاصل الزمني بين الأجيال لا يسمح بتحولات جينية بهذا الحجم. لذلك، فإن القضية ليست تغيرا في الدماغ البشري ذاته، بل في البيئة التي يتشكل فيها هذا الدماغ.
يركز المقال على أن السياق الاجتماعي والتكنولوجي والتعليمي يترك آثارا عميقة على القدرات المعرفية، ولهذا تبدو بعض الأجيال مختلفة عن غيرها. ويشير الكاتب إلى أن كثيرا من الصفات التي تُلصق بجيل زد اليوم ربما ترتبط بمرحلة عمرية وظروف تاريخية معينة، وليس بخصائص جوهرية ثابتة. لكن مع ذلك، فإن البيانات الحديثة المتعلقة بالتعليم والقراءة والرياضيات والانتباه تمنح هذه المخاوف أساسا علميا لا يمكن تجاهله.
يتناول المقال بشكل موسع نتائج اختبارات دولية مثل تقييمات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي أظهرت انخفاضا ملحوظا في مهارات القراءة والرياضيات بين الطلاب خلال السنوات الأخيرة. كما يستعرض نتائج تقييم “بطاقة تقرير الأمة” في الولايات المتحدة، والتي كشفت استمرار التراجع في مستويات القراءة والاستيعاب الرياضي لدى طلاب المدارس الثانوية. ويشرح الكاتب أن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة انخفاض “الذكاء” بالمفهوم التقليدي، لكنه يعكس تدهورا واضحا في مهارات أساسية مرتبطة بالفهم والاستنتاج وحل المشكلات.
واحدة من أهم النقاط التي يناقشها المقال هي “تأثير فلين”، وهو الظاهرة التي لاحظها الباحثون خلال القرن العشرين، حيث ارتفعت معدلات الذكاء تدريجيا عبر الأجيال بمعدل يقارب 3 إلى 5 نقاط لكل عقد. وقد ارتبط ذلك بتحسن التعليم والصحة والتغذية والظروف المعيشية. لكن المفاجأة أن هذا الاتجاه بدأ يتباطأ منذ التسعينيات، ثم تحول في بعض الدول إلى انخفاض فعلي فيما يعرف بـ “انعكاس فلين”.
ويعرض المقال الدراسة النرويجية الشهيرة التي اعتمدت على بيانات ضخمة من اختبارات التجنيد العسكري لعشرات السنين، حيث لاحظ الباحثون أن الارتفاع التاريخي في معدلات الذكاء توقف، ثم بدأ في التراجع لدى الأجيال الأحدث. الأهم أن الباحثين استخدموا مقارنة بين الإخوة داخل الأسرة الواحدة، مما جعل التفسيرات الجينية أو الديموغرافية أقل إقناعا، ودفعهم نحو تفسير بيئي يرتبط بأسلوب الحياة والتعليم والثقافة الرقمية الحديثة.
ينتقل المقال بعد ذلك إلى العامل الأكثر إثارة للجدل: العالم الرقمي. هنا يبدأ الحديث عن الشاشات والهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها عناصر قد تكون أثرت بعمق على بنية الانتباه والتركيز لدى جيل زد. ويستشهد الكاتب بشهادة عالم الأعصاب والتربية جاريد كوني هورفاث أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث أكد أن التوسع الهائل في استخدام التكنولوجيا داخل المدارس لم يؤدِّ إلى قفزة تعليمية حقيقية، بل جاءت النتائج التعليمية أقل من المتوقع.
يشرح المقال كيف أن البيئة الرقمية الحديثة صُممت اقتصاديا لجذب الانتباه باستمرار عبر الإشعارات والمقاطع القصيرة والتفاعل السريع، مما يدفع الدماغ إلى الاعتياد على “نبضات انتباه” قصيرة بدلا من التركيز العميق الطويل. وهذه النقطة تحديدا تشكل جوهر الأزمة المعرفية التي يناقشها المقال، لأن التعلم الحقيقي يحتاج إلى وقت متصل من التركيز والتأمل والاستيعاب.
ويتوسع الكاتب في الحديث عن أثر المحتوى القصير والسريع على القراءة والفهم العميق، موضحا أن أبناء جيل زد باتوا أقل ميلا لقراءة النصوص الطويلة أو متابعة المواد المعرفية الممتدة، وهو ما يؤثر على قدرتهم النقدية والتحليلية. كما يشير إلى دراسات تؤكد تفوق القراءة الورقية على الرقمية في فهم النصوص الطويلة، خاصة عندما تكون القراءة عبر الهواتف الذكية المليئة بالمشتتات.
ومن الجوانب المهمة التي يناقشها المقال أيضا علاقة الشاشات بالنوم. إذ تؤكد الدراسات، بحسب الكاتب، أن استخدام الهواتف ليلا يؤدي إلى اضطراب النوم وضعف جودته، وهو ما ينعكس مباشرة على الذاكرة والانتباه والتحصيل الدراسي. ويعتبر المقال أن النوم والانتباه يشكلان البنية التحتية الأساسية للتعلم، وبالتالي فإن أي خلل فيهما ينعكس على الأداء العقلي والمعرفي.
ورغم الطابع المقلق الذي يقدمه المقال، فإنه لا ينتهي إلى إدانة جيل زد أو اعتباره “الأغبى في التاريخ” بشكل مطلق. بل يؤكد أن الذكاء مفهوم مركب لا يمكن اختزاله في رقم أو اختبار، وأن المشكلة الأساسية تكمن في البيئة الرقمية الحديثة التي تعيد تشكيل أنماط التفكير والانتباه لدى البشر جميعا، مع تأثر جيل زد بشكل أكبر لأنه نشأ بالكامل داخل هذا العالم.
ويقدم المقال في نهايته مجموعة من الحلول العملية التي تدعو إلى إعادة الاعتبار للقراءة الطويلة، والكتابة التحليلية، وتقليل الاعتماد المفرط على الشاشات داخل المدارس، وتنظيم استخدام الهواتف الذكية خصوصا في الليل. كما يدعو إلى استخدام التكنولوجيا بشكل ذكي ومحدد الهدف بدلا من تحويل التعليم كله إلى تجربة رقمية سريعة ومجزأة.
اللافت في المقال أنه لا يتبنى خطابا أخلاقيا تقليديا يهاجم التكنولوجيا، بل يحاول قراءة التحولات المعرفية التي أحدثتها الثورة الرقمية بطريقة علمية تستند إلى الدراسات والإحصاءات. وهو بذلك يطرح سؤالا أعمق من مجرد “هل جيل زد أذكى أم أغبى؟”، إذ يحاول فهم كيف يعيد العالم الرقمي تشكيل طريقة تفكير الإنسان نفسه.



