نُشر هذا المقال بقلم الكاتب فاروق غانم خدّاج في موقع إيلاف، ويطرح رؤية نقدية لمسار وزارة التربية حين تتحول صناعة الإنسان إلى حصة سياسية، معتبرًا أن أزمة التعليم في لبنان تتجاوز المناهج والتمويل لتلامس جوهر بناء الدولة. وينطلق المقال من فكرة أن وزارة التربية ليست مجرد حقيبة وزارية، بل المؤسسة التي تصنع الإنسان القادر على حماية الوطن وإدارة اقتصاده، ولذلك فإن إخضاعها للمحاصصة السياسية أدى إلى إضعاف المشروع التربوي وإفقاد الدولة القدرة على التخطيط طويل الأمد. ويرى الكاتب أن اختيار وزراء التربية في كثير من المراحل خضع للتوازنات السياسية أكثر من اعتماده على الكفاءة والرؤية، ما جعل كل حكومة تبدأ مشروعًا جديدًا ينتهي مع انتهاء ولايتها، فتتراكم الخطط غير المكتملة وتغيب الاستمرارية في تطوير المناهج والسياسات التعليمية.
ويشرح المقال كيف انعكست هذه المقاربة على واقع التعليم اللبناني، إذ امتدت المحاصصة من مكتب الوزير إلى الإدارات واللجان، فأصبحت القرارات مرتبطة بتغيّر الأشخاص لا بثبات المؤسسات. كما كشفت الأزمة الاقتصادية هشاشة القطاع التربوي، بعدما تراجعت قدرات المدرسة الرسمية، وتدهورت أوضاع المعلمين، وهاجرت أعداد كبيرة من الكفاءات التعليمية، فيما وجد الطلاب أنفسهم أمام نظام تعليمي يفتقر إلى الاستقرار والدعم. وفي المقابل يستحضر الكاتب تجربة كمال جنبلاط عندما تولى وزارة التربية في عهد الرئيس فؤاد شهاب، باعتبارها نموذجًا لربط التعليم ببناء الدولة والعدالة الاجتماعية، حيث عمل على توسيع التعليم الرسمي، وإنشاء المدارس في المناطق المحرومة، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، معتبراً المدرسة مساحة لتكوين الإنسان الحر والمواطن المسؤول، لا مجرد مؤسسة للتلقين.
ويختتم المقال بالتأكيد أن الدول التي حققت نهضتها، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفنلندا، جعلت التعليم أولوية وطنية مستقلة عن التجاذبات السياسية، بينما لا يزال لبنان عالقًا بين منطق الدولة ومنطق التسويات. ويؤكد الكاتب أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإخراج وزارة التربية من نظام المحاصصة، واعتماد معايير واضحة لاختيار الوزير على أساس الخبرة والرؤية، مع وضع سياسة تعليمية مستقرة تستمر عبر الحكومات. ويخلص إلى أن مستقبل لبنان يُصنع داخل الصفوف الدراسية، وأن بناء الدولة يبدأ باختيار من يصنع الإنسان، لا بمن يحصل على حقيبة وزارية ضمن توازنات سياسية.



