مساران متناقضان لفكرة واحدة اسمها الثقة في العالم العربي. | د. بيار الخوري

انضمت الجزائر مؤخراً إلى نظام الأبوستيل الدولي، وقُرئت الخطوة في الداخل بوصفها تحولاً إدارياً يحمل دلالات اقتصادية أعمق من ظاهرها. فالانضمام إلى منظومة دولية لتوحيد التصديقات ليس حدثاً تقنياً عابراً في بلد ظل لعقود أسير الروتين القنصلي المرهق، بل إشارة إلى رغبة في الاندماج بمنظومة التبادل الدولي، وفي تخفيف كلفة معاملة كانت تستنزف الوقت والمال على حد سواء.

ونظام الأبوستيل، لمن لا يعرفه، معاهدة دولية توقعت في لاهاي عام 1961 (أقرأ: منذ ٦٥ سنة)، استهدفت إلغاء سلسلة التصديقات المعقدة التي كانت تفرضها الدول على الوثائق الصادرة من خارج حدودها. فبدل أن تمر الوثيقة بمسار طويل من التصديق المحلي، ثم وزارة الخارجية، ثم القنصلية الأجنبية، اكتفت الاتفاقية بختم واحد موحد يعترف به جميع الأعضاء. كانت تلك، في زمنها، ثورة بيروقراطية حقيقية، اختصرت أسابيع من الانتظار إلى أيام معدودة.


غير أن العالم العربي، رغم مرور أكثر من ستة عقود على تلك الاتفاقية، ظل في غالبيته خارج هذا النظام. انضمت إليه السعودية والمغرب وتونس والبحرين وعُمان والأردن، فيما بقيت دول أخرى كثيرة غارقة في النظام القنصلي التقليدي، حيث لا تزال الوثيقة رهينة طوابع متعددة وتوقيعات متراكبة، في مفارقة تكشف بطء التكيف الإداري العربي مع تحولات لم تعد جديدة على العالم.

في المقابل، اختارت دولة الإمارات مساراً مختلفاً تماماً. لم تكتفِ بالانضمام إلى منظومة دولية لتسريع الورق، بل تجاوزت فكرة الورق ذاتها. استثمرت في تكنولوجيا البلوكتشين وتطبيقات الحكومة الذكية، وبنت منظومة الهوية الرقمية، واعتمدت مفهوم “صفر ثقة” اللامركزي الذي لا يحتاج وسيطاً يصادق ولا سلطة مركزية تختم. أصبحت المعاملة تتم فوراً، مشفرة، موثقة بخوارزمية لا تقبل التلاعب، ومقاومة بطبيعتها لمجموعات المصالح التي طالما تغذت من تعقيد الإجراءات وبطئها.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين تجربتين تبدوان للوهلة الأولى متجاورتين في الهدف، لكنهما متباعدتان جذرياً في الفلسفة. فالأبوستيل، مهما بلغت فائدته العملية، يبقى استلحاقاً للماضي بالماضي؛ هو تحديث لمنظومة وُلدت في القرن العشرين، يهذّب بيروقراطية قديمة دون أن يمسّ جوهرها المركزي. يظل الختم ختماً، والسلطة التي تمنحه سلطة واحدة، والثقة فيه ثقة في مؤسسة لا في رياضيات التشفير.

أما النموذج الإماراتي فيمثل خياراً من طبيعة أخرى تماماً: استلحاق الحاضر بالمستقبل، لا بترميم الأنظمة القديمة، بل بتفكيكها واستبدالها. حين تُستبدل الأختام الورقية بالخوارزميات المشفرة، وحين تتحول الثقة من مؤسسة مركزية إلى بنية لامركزية موزعة لا يملك أحد مفتاحها الوحيد، فإن المسألة تتجاوز تسريع المعاملات إلى صياغة تعريف جديد للعلاقة بين المواطن والدولة، وبين الدولة والعالم.

تكشف هذه المقارنة سؤالاً أوسع يتجاوز الجزائر والإمارات معاً: هل تكتفي الدول التي تأخرت عقوداً عن ركب التحديث بأن تلحق بما أنجزه العالم في ستينيات القرن الماضي، أم تجرؤ على القفز مباشرة نحو ما يُبنى الآن؟ فالفجوة بين من يصادق بختم لاهاي ومن يصادق بسلسلة كتل مشفرة (Blockchain) ليست فجوة تقنية فحسب، بل فجوة في تصور الدولة لذاتها: هل هي حارسة لشرعية الورق، أم بانية لبنية ثقة جديدة لا تحتاج حارساً على الإطلاق.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn