عيد الجيش يذكّرنا: التعلّم الناشط وُلد في العنبر لا في المحاضرة| د. بيار الخوري

يحتفل اللبنانيون بعيد جيشهم كما يحتفلون بعيد لا يشبه سائر الأعياد، لأن هذا الجيش ليس مؤسسة بين مؤسسات الدولة المتهالكة، بل الاستثناء الذي بقي واقفاً حين انهار ما حوله. غير أن الاحتفال المعتاد يختزل الجيش في وظيفته الدفاعية وحدها، فيغيب عن الخطاب السائد بُعد آخر لا يقل أهمية: الجيش مدرسة، وربما المدرسة الوحيدة في لبنان التي نجحت فيما فشلت فيه كل المدارس الأخرى.

المدرسة اللبنانية، منذ التأسيس، بُنيت على القسمة لا على الجمع. كل طائفة مدرستها، وكل منطقة منهجها الفعلي وإن تشابهت الكتب، وكل عائلة تختار لأبنائها السياج الذي يبقيهم بين أشباههم. نتج عن هذا نظام تعليمي ينتج مواطنين متوازيين لا يلتقون، يحفظون تاريخ لبنان كلٌّ بروايته الخاصة، ويكبرون دون أن يعرفوا كيف يتكلم أو يفكر أو يعيش من هو خارج دائرتهم الضيقة. هذه هي الكارثة التي لا يعالجها خطاب المصالحة ولا المؤتمرات ولا التعديلات الوزارية على المناهج، لأن المشكلة ليست في محتوى الكتاب، بل في بنية الفصل الدراسي نفسه.

الجيش وحده كسر هذه البنية. الشاب الذي يدخل الخدمة يجد نفسه فجأة في غرفة واحدة مع من لم يكن ليلتقيه في حياته كلها لولا هذا الاستدعاء. يأكل الطعام نفسه، ينام في العنبر نفسه، يتدرب تحت الشمس نفسها، ويُقاس بالمعيار نفسه بصرف النظر عن اسم عائلته أو قريته. هذا اللقاء، البسيط في ظاهره، هو أعمق درس وطني يمكن أن يتلقاه لبناني، لأنه لا يُلقَّن بل يُعاش. والفارق بين التلقين والمعايشة هو بالضبط الفارق بين تعليم يتبخر بعد الامتحان وتربية تبقى في الجسد والذاكرة.

هنا تكمن المفارقة التي يتجاهلها من يختزل التدريب العسكري بأنه مجرد “مهارات قتالية”. فالانضباط الذي يُغرس في الثكنة ليس قمعاً للفرد، بل تدريباً على تأجيل الرغبة الآنية لحساب هدف جماعي، وهذا بالضبط ما تحاول نظريات التربية الحديثة الوصول إليه حين تتحدث عن “التنظيم الذاتي”. والتخطيط العسكري، بمراحله ودقته وتوزيع أدواره، ليس سوى نموذج مصغر لكل ما تحاول المدرسة تعليمه تحت عنوان “حل المشكلات”. أما القيادة الميدانية، حيث يُطلب من الفرد أن يتخذ قراراً في ظرف ضاغط وبمعلومات ناقصة، فهي تجربة لا تعادلها أي حصة “تفكير نقدي” مهما حاولت الجامعات محاكاتها بالنظرية.

والحقيقة الأعمق أن هذا النوع من التعلّم ليس اختراعاً حديثاً استعارته المؤسسة العسكرية من الجامعة، بل العكس تماماً. الجيوش، منذ نشأتها الأولى، لم تُعلّم أفرادها عبر المحاضرة والحفظ، بل عبر المحاكاة والتكرار والتجربة الجماعية تحت ضغط واقعي. الجندي يتعلم كيف يُطلق النار بإطلاقها، وكيف يتحرك في الميدان بالحركة فيه، وكيف يقود فصيلاً بقيادته فعلاً لا بقراءة فصل عن القيادة. هذا هو جوهر ما تسميه الجامعات اليوم، وكأنه اكتشاف حديث، “التعلّم الناشط”: أن يتعلم المرء بالفعل لا بالتلقي، وأن تُبنى المعرفة من التجربة لا أن تُسكب في رأسه سكباً.

بعبارة أخرى، سبقت الثكنة العسكرية قاعة المحاضرات بقرون في اعتماد المنهجية التي تفتخر الجامعات اليوم بأنها “ثورة تربوية”. والفارق أن الجيش لم يحتج إلى مؤتمر تربوي ليكتشف أن الإنسان يتعلم القيادة بالقيادة لا بسماع محاضرة عنها، بينما لا تزال مدارسنا، بعد كل هذه العقود، تصر على أن المعرفة تُنقل بالإلقاء لا بالفعل.

لا يعني هذا أن الجيش بديل عن المدرسة، ولا أن الحل هو عسكرة التعليم. المطلوب أبعد من ذلك بكثير: أن نعترف بأن في التجربة العسكرية نموذجاً تربوياً متكاملاً، اختبر عملياً ما تتحدث عنه كتب التربية الحديثة نظرياً، ونجح فيما فشل فيه النظام المدرسي، وهو صناعة مواطن يعرف نظيره قبل أن يحكم عليه.

لبنان، في أزمته الراهنة، ليس بحاجة إلى مزيد من المدارس التي تُنتج طوائف متعلمة. هو بحاجة إلى استلهام هذا النموذج القائم أصلاً، والموجود فعلاً، والذي يحتفل به اللبنانيون كل عام دون أن يروا فيه أكثر من مؤسسة دفاعية. الجيش مدرسة وطنية بامتياز، ليس لأنه يُعلّم القتال، بل لأنه، منذ نشوء الجيوش، كان يمارس ما لم تكتشفه الجامعات إلا مؤخراً: أن التعلّم الحقيقي لا يُحفظ، بل يُعاش.

ينشر اليوم في مجلة أسواق العرب – لندن

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn