جلس الطالب أمام السؤال الرياضي، وكتب إجابته بسخرية بريئة: “كيف يُضرب ألف شخص بالصفر فيصبحوا صفرًا؟ أين ذهب الألف شخص؟”.
يضحك من قرأ الجملة، لأنها تبدو خطأً طريفًا في فهم الرياضيات. لكن تحت الضحكة سؤال لا يخص الحساب على الإطلاق، بل يخص طريقتنا في رؤية بعضنا بعضًا: حين نعدّ الضحايا لكي نفهم حجم المأساة، هل نساعد أنفسنا على رؤيتها، أم نُعرّض أنفسنا لخطر الاعتياد عليها؟
رياضيًا، ألف مضروبة في صفر تساوي صفرًا. لكن في الواقع لم يختفِ الألف إنسان. هذا هو الفارق الذي يستحق التوقف عنده: هناك وجود، وهناك عدد، وهناك قيمة، وهذه الثلاثة ليست الشيء نفسه. الوجود لا ينتظر إذنًا من العدّ ليكون حقيقيًا.
لماذا احتاج الإنسان إلى العدّ أصلًا؟ لم يبدأ العدّ تمرينًا ذهنيًا مجردًا، بل حاجة عملية بسيطة: كم لدينا من القمح، كم فقدنا من الماشية، كم شخصًا حاضر وكم غائب. من هذه الحاجة اليومية وُلدت قفزة فكرية كبرى: تعلّم الإنسان أن يتجاهل اختلاف الأشياء ليحتفظ فقط بفكرة “الكمية”. حين نقول “ثلاثة أشخاص” و”ثلاثة أحجار”، نمحو كل ما يميزهما ونُبقي على الرقم وحده.
ثم تطورت الأرقام من أداة وصف إلى أداة تنظيم. لم تعد تخبرنا فقط بما هو موجود، بل صارت تقرر كيف نتصرف حياله: قياس الفقر، البطالة، النمو، الأداء، المخاطر. وهنا يبدأ السؤال المركزي بالتشكل بوضوح: ماذا يحدث للإنسان حين يصبح جزءًا من رقم؟
لا اختبار لهذا السؤال أقسى من الحرب. فالحرب، حين تصل إلينا عبر الأخبار، تتحول إلى سلسلة أرقام: عدد القتلى، عدد الجرحى، عدد النازحين، عدد الأطفال الذين يعانون الجوع، عدد المنازل المدمرة، حجم المساعدات المطلوبة، نسبة الدمار. هذه الأرقام ليست شرًا؛ بل هي ضرورية لتوثيق الكارثة، ومقارنة حجمها، وتوزيع المساعدة، ومحاسبة المسؤول عنها. لكن السؤال يبقى معلقًا: هل يستطيع الرقم أن يحمل المعنى الإنساني لما يقيسه؟ “عشرة آلاف قتيل” رقم لازم لفهم حجم الكارثة، لكنه يخفي وراءه عشرة آلاف حياة مختلفة، عشرة آلاف عائلة، عشرة آلاف قصة توقفت فجأة.
والمفارقة أن الرقم كلما كبر، صغر حضور الفرد في وعينا. يصبح الإنسان “واحدًا من عشرة آلاف” بدل أن يكون له اسم ووجه وذاكرة. الأرقام تمنحنا قدرة على المقارنة، وهذه ميزتها الأولى، لكنها تحمل خطرًا أخلاقيًا موازيًا: هل موت شخص واحد أقل مأساوية لأنه رقم صغير؟ وهل تكتسب المأساة إنسانية أكبر لمجرد أن رقمها ازداد؟ أم أن الأرقام، حين تتكرر، تجعل المعاناة قابلة للاستهلاك حتى نفقد حساسيتنا تجاهها؟
هنا يظهر الفارق بين العنوان والقصة. عنوان يقول “سقط خمسمئة قتيل” ينقل الحجم، بينما قصة إنسان واحد فقد أسرته تنقل المعنى. كلاهما ضروري، لكنهما لا يؤديان الوظيفة نفسها، ولا يمكن لأحدهما أن يغني عن الآخر.
الظاهرة نفسها، بدرجة أخف، تلازمنا خارج الحرب أيضًا. الفقير يصبح نسبة، العاطل عن العمل رقمًا، الطالب علامة، الموظف مؤشر أداء، المريض حالة إحصائية، المواطن رقمًا في التعداد. هذه القياسات ضرورية لإدارة أي مجتمع، لكن الخطر يبدأ حين نخلط بين قياس الإنسان واختزاله فيما قِيس منه.
نعود إلى الصفر الذي بدأت منه القصة. الصفر لا يعني دائمًا أن الشيء غائب؛ قد يعني فقط أنه لا يملك قيمة وفق معيار بعينه، أو أنه لا يضيف شيئًا إلى معادلة محددة. قد يكون الإنسان موجودًا بالكامل في الواقع، لكنه يتحول إلى “صفر” داخل نظام لا يرى إلا ما يستطيع قياسه.
هذا لا يجعل مقالنا ضد الرياضيات أو ضد الإحصاء. المشكلة ليست في العدّ، بل في الظن بأن كل ما يمكن عدّه هو كل ما يستحق أن يُرى، وأن ما لا يُحصى لا قيمة له.
للأرقام ثلاث وظائف متتالية: أداة لفهم الواقع، ثم أداة لإدارة الواقع، ثم، وهنا يكمن الخطر، أداة قد تعيد تشكيل إدراكنا للواقع نفسه، حتى نرى العالم من خلال جداوله وحسب.
نحتاج إلى العدّ لكي لا ننكر حجم المأساة. لكننا نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف عن العدّ للحظة، كي نتذكر ماذا يعني كل رقم فيه. وهكذا يعود سؤال الطالب من مجرد خطأ حسابي بريء إلى سؤال فلسفي حقيقي: أين ذهب الألف شخص؟ لم يذهبوا إلى أي مكان. الذي اختفى هو حضورهم الإنساني، في اللحظة التي تحولوا فيها من ألف إنسان إلى رقم واحد مهما كانت .



