قيمة الطفل لا تقاس ببذخ اهله

تنطلق هذه المقاربة من فرضية أساسية: أن الفوارق المادية بين التلاميذ، حين تُترك بلا ضبط، لا تبقى في حدود مظهرية، بل تتحول إلى تراتبية اجتماعية مصغّرة داخل جدران المدرسة. القلم الفاخر، الحقيبة ذات العلامة التجارية، حفلة عيد الميلاد التي تُقام في فندق بدل الصف، كلها إشارات يقرأها الطفل قبل أن يقرأها العقل الناقد، ويترجمها فوراً إلى معادلة قيمة: من يملك أكثر يستحق أكثر.

توحيد المظهر المدرسي، حين يُصمَّم بوعي، لا يهدف إلى محو الفردية بل إلى تعطيل هذه المعادلة في مهدها. فالطفل الذي لا يستطيع أن يميّز نفسه عن رفيقه بثمن ما يحمله، يُضطر إلى أن يميّز نفسه بما يفعله: بأدائه، بلطفه، بذكائه.

هذا انتقال دقيق لكنه جوهري، من اقتصاد الظهور إلى اقتصاد الجدارة، وهو بالضبط ما تفتقر إليه بيئات اجتماعية أوسع نشأ فيها اللبناني قبل أن يدخل حتى الجامعة.

المسألة نفسها تتكرر في موضوع الأعياد الشخصية. حين تُترك احتفالات أعياد الميلاد لمبادرات الأهل الفردية، فإنها تتحول عملياً إلى مزاد علني متجدد كل أسبوع تقريباً: كل عائلة تحاول أن تتجاوز ما قدّمته العائلة السابقة، وكل طفل يقيس محبة أهله بحجم الكعكة وعدد الهدايا.

حين تتولى المدرسة تنظيم هذه المناسبة بصيغة موحّدة ومتقشفة، فإنها لا تُلغي الاحتفال، بل تُخرجه من منطق التفاخر إلى منطق الطقس الجماعي، حيث يُحتفى بالطفل لأنه موجود، لا لأن عائلته قادرة على الإنفاق.

القيمة الأعمق لهذا النوع من الإجراءات لا تُقاس بمدى انتشارها الفعلي، بل بما تكشفه عن فلسفة تربوية معينة: أن المدرسة ليست فقط مكاناً لنقل المعرفة، بل مساحة لتدريب الطفل على العيش المشترك في ظل تفاوت لا يمكن إلغاؤه خارج أسوارها.

وحين تعجز الدولة عن ضبط الفوارق الاقتصادية في المجتمع الأوسع، تصبح المدرسة، ولو في نطاق محدود وتجربة معزولة هنا وهناك، آخر خط دفاع ممكن لتعليم الطفل أن قيمته لا تُقاس بما يملك أهله.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.