الذكاء الاصطناعي بين الهاكر والمدافع. بقلم عبير درويش

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تساعد الإنسان على إنجاز المهام بسرعة، بل أصبح لاعبًا أساسيًا في واحدة من أخطر ساحات الصراع الحديثة، وهي الأمن السيبراني. فالتقنية نفسها التي تساعد الشركات على اكتشاف الثغرات وحماية شبكاتها يمكن أن يستخدمها المهاجمون للبحث عن نقاط الضعف وتسريع الهجمات. وهنا تظهر المفارقة الكبرى، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكون في الوقت نفسه أداة للهجوم وأداة للدفاع، لتصبح سرعة الاستخدام ودقته والضوابط المحيطة به عوامل حاسمة في تحديد نتائج هذه المواجهة الرقمية.

لم تعد الهجمات الإلكترونية تعتمد دائمًا على قدرات بشرية محدودة السرعة، فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات ضخمة من البيانات والشفرة البرمجية، واكتشاف نقاط الضعف وربطها بمسارات محتملة للهجوم. وتشير شركات الأمن السيبراني إلى أن النماذج المتقدمة أصبحت أكثر قدرة على اكتشاف الثغرات وبناء مسارات استغلال معقدة بسرعة كبيرة. وفي المقابل، تستخدم المؤسسات الأمنية القدرات نفسها لمحاكاة الهجمات واكتشاف الثغرات قبل المهاجمين. وقد أطلقت شركة Palo Alto Networks خدمة Unit 42 Continuous Frontier AI Defense التي تجمع بين نماذج متعددة للذكاء الاصطناعي وخبرة بشرية، بهدف اكتشاف نقاط الضعف بصورة مستمرة والتحقق من إمكانية استغلالها وتسريع معالجتها، في ظل تغير التطبيقات والشبكات والأنظمة السحابية باستمرار.

يحتاج وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «هاكر» إلى قدر من الدقة، فهو لا يمتلك نوايا إجرامية من تلقاء نفسه، لكنه يمنح أصحاب النيات الخبيثة قدرة أكبر على تحليل الأنظمة واكتشاف الثغرات وأتمتة مراحل من الهجوم. ويستطيع المدافع استخدام القدرات نفسها لاكتشاف الخطر وإغلاق الثغرات. والصورة الأدق تتمثل في بشر يستخدمون الذكاء الاصطناعي ضد بشر آخرين، وبشر يستخدمونه لحمايتهم. وينطبق هذا التمييز أيضًا على التحذيرات من المخاطر القاتلة للتكنولوجيا؛ فالذكاء الاصطناعي الحالي ليس آلة تتخذ قرارًا مستقلًا بإبادة البشر، بينما تظهر المخاطر الحقيقية عند استخدام قدراته في الهجمات السيبرانية والمعلومات المضللة وتطوير الأدوات الضارة واستهداف البنية التحتية الحيوية.

وفي هذا السياق يُفهم تحذير بيل غيتس من إمكان وقوع خسائر هائلة إذا وصلت التكنولوجيا إلى جهات ذات نيات مدمرة، وهو تحذير من حجم القدرة الممكنة في غياب الرقابة، وليس نبوءة أو توقعًا إحصائيًا بوقوع كارثة محددة.

تقع الحقيقة بين المبالغة الإعلامية التي تصور الذكاء الاصطناعي عقلًا مستقلًا قادرًا على السيطرة على العالم، والتقليل من شأن المخاطر الفعلية. فالذكاء الاصطناعي قوي في التحليل والأتمتة والبحث وتوليد المحتوى، وأصبح قادرًا على التعامل مع مهام تقنية معقدة، لكنه ليس كائنًا خارقًا ولا يمتلك بالضرورة فهمًا بشريًا للعواقب الأخلاقية. ولا تحتاج المخاطر إلى سيناريوهات خيالية، إذ يكفي أن يصبح المحتال أكثر قدرة، والهجوم الإلكتروني أسرع، والمعلومة المزيفة أكثر إقناعًا، والثغرة الأمنية أسرع استغلالًا. لذلك تحتاج الشركات إلى منظومة حماية متكاملة تشمل المراقبة المستمرة للأنظمة والشبكات، وتحديث البرمجيات وإغلاق الثغرات بسرعة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الهجمات ومحاكاتها، والتحقق البشري من القرارات الأمنية الحساسة، وحماية البيانات، وتدريب الموظفين على الاحتيال والتصيد والهندسة الاجتماعية، ووضع خطط للاستجابة للحوادث واستعادة الأنظمة.

أما الأفراد، فعليهم إدراك أن المخاطر لا تقتصر على الشركات الكبرى، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل عمليات الاحتيال وانتحال الهوية والتلاعب بالمعلومات أكثر إقناعًا وسرعة. وتبقى المسؤولية موزعة بين البشر الذين يصممون التكنولوجيا، والشركات التي تطورها، والحكومات التي تنظمها، والمؤسسات التي تستخدمها، والأفراد الذين يتعاملون معها. لقد دخلنا مرحلة أصبح فيها الفاصل بين الهجوم والدفاع رفيعًا للغاية، فالأداة التي يبحث بها المدافع عن الثغرة يمكن أن تساعد المهاجم على البحث عنها، والنظام الذي يحلل الهجوم يمكن أن يساهم في بناء دفاع أسرع وأكثر دقة.

إن الذكاء الاصطناعي قوة تضخم قدرة من يستخدمها؛ فإذا كان المستخدم مدافعًا أصبح درعًا، وإذا كان مهاجمًا أصبح أداة أكثر خطورة. والتحدي الحقيقي أمام البشرية هو ضمان تقدم القوانين والأخلاق والرقابة والأمن بالسرعة نفسها التي تتقدم بها قدرات الآلة، لأن المستقبل لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل الإنسان الذي يقرر كيف يستخدمها والحدود التي يضعها أمام قوتها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.