أزمة المثقف العربي: حين تتحول الثقافة إلى قناع والضجيج إلى بديل عن الفكر. بقلم د. ريم بالخذيري

لم تعد أزمة المثقف في مجتمعاتنا العربية مرتبطة بضعف المعرفة أو شحّ المراجع، فالمعلومة اليوم متاحة أكثر من أي وقت مضى. الأزمة الحقيقية تكمن في تحوّل الثقافة إلى قناع، وفي صعود نموذج يخلط بين امتلاك اللغة وامتلاك الفكر، وبين الحضور الإعلامي والعمق المعرفي.المثقف، في معناه الجوهري، ليس من يملأ الفضاء العام بالكلام، بل من يملك شجاعة السؤال، وقدرة الشك، وأخلاق الاعتراف بحدود المعرفة.

غير أن المشهد العام بات يعجّ بأصوات تتحدث في كل شيء، وتفتي في كل شأن، بثقة لا تتناسب مع ما تقدمه من تحليل أو فهم. هنا لا نكون أمام مثقف، بل أمام صورة زائفة له.

هذا النموذج لا يرى في الثقافة مسؤولية، بل وسيلة للتميز الرمزي. يستخدم المصطلحات الثقيلة لا لتفكيك الواقع، بل لإرباك المتلقي، ويستعرض الأسماء والمراجع لا بدافع الإحالة المعرفية، بل لبناء هالة من التفوق.

وحين يُسأل أو يُناقش، يتحول الحوار إلى هجوم، والاختلاف إلى تشكيك في النوايا، لأن الاعتراف بإمكان الخطأ يهدد الصورة التي صنعها لنفسه.

وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في تضخيم هذه الظاهرة، إذ أصبح الانتشار معيار القيمة، وعدد المتابعين دليل “المكانة الثقافية”.

في هذا الفضاء، تُقتطع الأفكار من سياقاتها، وتُختزل القضايا المعقدة في عبارات سريعة، ويُكافأ الضجيج أكثر مما يُكافأ التفكير المتأني. وهكذا يتحول المثقف من فاعل نقدي إلى مؤدٍ لغوي، ومن حامل للسؤال إلى مروّج لليقينيات الجاهزة.

المشكلة ليست في الجهل، فالجهل جزء من الشرط الإنساني، ولا مثقف حقيقي يدّعي الإحاطة. المشكلة في إنكار الجهل، وفي التعامل مع الثقافة كأداة للهيمنة لا كمساحة للفهم المشترك. فحين يغيب التواضع المعرفي، تفقد الكلمة معناها، ويتحول الفكر إلى سلعة خطابية.

إن المجتمعات التي تسمح بانتشار هذا النموذج، وتمنحه المنابر والشرعية، تُضعف قدرتها على النقد والمساءلة، وتفتح المجال أمام الخطاب الشعبوي والتبسيط المخل.

فالمثقف الزائف لا يزعج السلطة ولا يحرّك الأسئلة، بل يكتفي بإعادة إنتاج ما هو سائد في قالب لغوي منمّق.

في زمن امتلأ بالأصوات و الافتقار إلى المعنى، تصبح مهمة المثقف الحقيقي أكثر صعوبة، لكنها أكثر إلحاحًا. فليس كل من يتكلم مثقفًا، وليس كل من يرفع صوته صاحب فكرة. وكما أثبت الواقع مرارًا: ما كان فارغًا احتاج إلى الضجيج، وما كان ممتلئًا اكتفى بثقله.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn