الأهل الحصن الأخير في زمن الحرب. بقلم الاستاذة ليال أمان الدين

في أقسى اللحظات، حين تضيقُ بنا الدروب وتثقلُ الأرواح بما لا طاقة لها به، نعودُ إلى ذواتنا… إلى ذلك العمق الإنساني الذي يسكننا منذ البداية. هناك، في ذلك العمق، يتجلّى دور الأهل بوصفه الركن الأمتن في حياة الأبناء، والسند الذي لا ينهار مهما اشتدّت العواصف.

نحن اليوم نعيش مرحلةً قاسية، مرهقة للنفس والمجتمع معًا. مرحلةٌ استيقظنا فيها على مشهدٍ لم نكن نريده لأطفالنا: حربٌ حيث كان ينبغي أن يكون السلام، وخوفٌ حيث كان الأمان، واضطرابٌ يتسلّل إلى تفاصيل حياة أبنائنا ونحن لا نعلم متى ينتهي. مدارس أُغلقت أبوابها، بيوتٌ تهدّمت، شهداء ارتقوا، وعائلاتٌ تبحث عن مأوى يحميها من قسوة البرد ويمنحها سقفًا يحفظ كرامتها.

ومع كل هذه الصورة القاتمة، الموحشة، يبقى أمامنا خيارٌ واحد: أن نستجمع قوانا… قوانا الإنسانية والاجتماعية. أن نتكاتف، وأن نتماسك، وأن نتذكّر أنّ الظلام مهما اشتدّ لا بدّ أن يفسح الطريق لنورٍ قادم.وهنا يتجلّى دورنا كأهل، الدور الأعمق والأكثر تأثيرًا. فنحن، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، الحصن الأخير لطمأنينة أبنائنا. إن لم نصمد نحن، لن يجدوا ما يتكئون عليه، وإن لم نحاول أن نزرع فيهم الأمل، قد تتسلّل الهشاشة إلى أرواحهم الصغيرة.

أيقظوا في قلوبهم شعلة الرجاء. حدّثوهم صباحًا ومساءً عن قصص الحياة التي تعلّمنا أنّ لا شيء يبقى على حاله، وأنّ الأزمات، مهما طالت، تعقبها بدايات جديدة قد تكون أجمل مما مضى. أعطوهم أمثلة حيّة من واقعنا، وأخبروهم أنّ لبنان، رغم جراحه الكثيرة، لم ينحنِ يومًا انحناءً كاملاً. فهذه الأرض التي تحمل قلاع التاريخ وشموخ الأرز، تشبه طائر الفينيق الذي ينهض من رماده في كل مرة.

استمعوا إلى مشاعرهم… لا تمرّوا عليها مرورًا عابرًا. افتحوا لهم أبواب الكلام ليبوحوا بما يختبئ في صدورهم الصغيرة. احموا قلوبهم في خضمّ الأزمة، فهم الأمانة التي ائتمننا الله عليها.

ولا تكذبوا على مشاعرهم، بل واجهوها بصدقٍ مطمئن. لا تنكروا الواقع، لكن قدّموه لهم بقلوبٍ حانية، وبكلماتٍ تُشعرهم أنّهم ليسوا وحدهم. ازرعوا في داخلهم الإحساس بالأمان، وأكّدوا لهم أنّكم ستبذلون كل ما تستطيعون لحمايتهم، لأنّ قلوب الأطفال لا تحتمل الصراخ ولا الفوضى ولا توتّر الكبار.

كونوا لهم الأمان… حتى في اللحظات التي يسكنكم فيها الوجع.

وتذكّروا دائمًا: غدًا يومٌ جديد، وشهرٌ جديد، وسنةٌ جديدة. فالحياة لا تتوقّف عند الألم، والتاريخ علّمنا أنّ الأحوال لا تدوم. وبعد كل حربٍ، يقف الفرج على الباب… ينتظر لحظة الدخول.

الكاتبة ليال أمان الدين

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn