ليس من السهل وضع التعليم اللبناني في مقارنة مباشرة مع التعليم في دول الخليج، لأن كل تجربة نشأت في ظروف اقتصادية واجتماعية وتاريخية مختلفة. غير أن المقارنة تصبح ضرورية حين ننظر إلى العقد الأخير، حيث مرّ التعليم في لبنان بأزمات متراكمة، في الوقت الذي واصلت فيه دول خليجية، وفي مقدمتها الإمارات وقطر، الاستثمار في البنية التعليمية والتقنية وإعادة صياغة أهداف المدرسة والجامعة بما يتلاءم مع اقتصاد المعرفة.
السؤال هنا ليس: أي نظام تعليمي أفضل؟ بل: ماذا راكم كل نظام من نقاط القوة، وما الذي يمكن أن يتعلمه من التجارب الأخرى؟ يتميز لبنان بتاريخ طويل في التعليم، وبقطاع جامعي ومدرسي متنوع، وبحضور قوي للغات الأجنبية، ولا سيما الفرنسية والإنجليزية إلى جانب العربية. وقد أسهم هذا التعدد اللغوي في تخريج أجيال من الطلاب القادرين على الدراسة والعمل في لبنان وخارجه، كما جعل المؤسسات التعليمية اللبنانية، وخصوصًا الجامعات العريقة، جزءًا من المشهد الأكاديمي العربي والإقليمي.
لكن هذه المزايا واجهت خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا غير مسبوقة. فمنذ الأزمة الاقتصادية والمالية التي بدأت عام 2019، لم تعد المشكلة التعليمية محصورة في المناهج أو طرق التدريس، بل امتدت إلى قدرة المدرسة والجامعة والأسرة والمعلم على الاستمرار. وأصبح الحفاظ على جودة التعليم في حد ذاته تحديًا.
وقد كشفت الأزمات المتلاحقة، بما فيها تداعيات جائحة كورونا والتوترات الأمنية والنزوح وتعطل الدراسة في بعض المناطق، هشاشة البنية التعليمية أمام الصدمات. وتظهر تقارير اليونسكو الخاصة بالاستجابة التعليمية في لبنان خلال عام 2024 حجم الحاجة إلى إدارة التعليم في ظروف طارئة، مع متابعة أوضاع المدارس والتسجيل واستخدام بعض المؤسسات التعليمية مراكز إيواء.
في المقابل، اتجهت الإمارات خلال السنوات الماضية إلى بناء منظومة تعليمية ترتبط بصورة مباشرة بأهداف الدولة في الابتكار والاقتصاد المعرفي والمهارات المستقبلية. وقد وضعت وزارة التربية والتعليم ضمن أهدافها الاستراتيجية مواءمة مخرجات التعليم مع مهارات المستقبل، ورفع جودة المؤسسات التعليمية وكفاءة كوادرها، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، وتوظيف التكنولوجيا في تحسين المخرجات التعليمية.
ولم يعد الحديث الإماراتي عن التعليم منفصلًا عن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية. فقد جعلت «مئوية الإمارات 2071» التعليم أحد محاورها الأساسية، وربطت السياسات التعليمية باستشراف المستقبل وبناء القدرات والمهارات اللازمة لعالم سريع التغير.
وفي عام 2026 دخل التعليم الإماراتي مرحلة جديدة مع إطلاق «الميثاق الوطني للتعليم»، الذي أصبح مرجعية وطنية عليا لتحديد اتجاهات قطاع التعليم وملامح المتعلم الإماراتي. ويركز الميثاق على الهوية الوطنية، واللغة العربية، والتعلم مدى الحياة، والتفكير النقدي، والتواصل الفعال، والإبداع، والمهارات العددية، وإتقان الذكاء الاصطناعي.
أما قطر، فقد عملت بدورها على بناء منظومة تعليمية تجمع بين التعليم العام والتعليم العالي والانفتاح الأكاديمي الدولي. وتمتد منظومتها التعليمية من مرحلة الروضة إلى الصف الثاني عشر، فيما تستقطب مؤسسات التعليم العالي طلابًا من جنسيات مختلفة، إلى جانب وجود جامعات ومؤسسات أكاديمية دولية.
ولا تقتصر التجربة القطرية على بناء المدارس، بل امتدت إلى الاستثمار في البحث والتعليم العالي والانفتاح على المؤسسات الأكاديمية العالمية، وهو ما جعل الدوحة خلال العقدين الماضيين مركزًا مهمًا للتعليم الدولي في المنطقة.
لكن الاستثمار المالي والبنية التحتية المتطورة لا يعنيان أن التحديات التعليمية انتهت. فنتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب «PISA 2022» تقدم صورة أكثر تعقيدًا. فقد بلغ متوسط أداء الطلاب في قطر 414 نقطة في الرياضيات، و419 في القراءة، و432 في العلوم، وهي نتائج بقيت دون متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مع تسجيل تحسن طويل الأمد في أداء قطر منذ مشاركتها الأولى في الاختبار.
أما الإمارات، فبلغ متوسط أداء طلابها في PISA 2022 مستويات أقل من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الرياضيات والقراءة والعلوم. وفي الرياضيات، حقق 51 في المئة من الطلاب على الأقل المستوى الثاني من الكفاءة، مقابل 69 في المئة في متوسط دول المنظمة، بينما بلغت النسبة في القراءة 52 في المئة، وفي العلوم 55 في المئة. كما تشير بيانات المنظمة إلى أن متوسط نتائج الإمارات في الرياضيات والعلوم عام 2022 كان قريبًا من نتائج 2018، في حين انخفض متوسط القراءة مقارنة بتلك الدورة.
هذه الأرقام مهمة لأنها تذكرنا بأن بناء المدارس الحديثة، واستقطاب الخبرات، وتطوير البنية الرقمية، كلها عناصر ضرورية، لكنها لا تختصر جودة التعليم. فالمعيار النهائي يبقى ما يتعلمه الطالب فعلًا، وما يستطيع أن يفعله بالمعرفة التي اكتسبها، وقدرته على التفكير والتحليل وحل المشكلات والتواصل.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط المقارنة مع لبنان.فلبنان يمتلك رصيدًا بشريًا وأكاديميًا لا يمكن تجاهله. غير أن المحافظة على هذا الرصيد تحتاج إلى بيئة اقتصادية ومؤسسية قادرة على تمويل المدرسة والجامعة، وتوفير التدريب المستمر للمعلمين، وتجديد التجهيزات، وتطوير التعليم الرقمي، وحماية الكفاءات من الهجرة.
وقد أثرت الأزمة اللبنانية كذلك في قدرة الأسر على تمويل التعليم الخاص، في بلد يعتمد بصورة كبيرة على المدارس الخاصة إلى جانب التعليم الرسمي. ومع ارتفاع كلفة التعليم وتراجع القدرة الشرائية، أصبحت الفوارق الاجتماعية أكثر حضورًا في فرص التعلم، بينما واجه القطاع الرسمي ضغوطًا مالية وتشغيلية متزايدة.
ولعل تجربة التعليم عن بعد خلال جائحة كورونا كانت من أوضح الأمثلة على الفجوة بين امتلاك التكنولوجيا والقدرة الفعلية على استخدامها. ففي حين استطاعت الأنظمة ذات البنية الرقمية الأكثر تطورًا الانتقال بسرعة أكبر إلى التعليم الإلكتروني، واجه لبنان مشكلات مرتبطة بتوفر الأجهزة والإنترنت والكهرباء وقدرة الأسر والمدارس على تحمل الكلفة.
وقد جعلت هذه التجربة التحول الرقمي ضرورة تربوية، لا مجرد خيار تقني.
ما الذي يمكن أن يتعلمه لبنان؟
يمكن للبنان أن يستفيد من التجارب الخليجية في عدد من المجالات، وفي مقدمتها بناء البنية التحتية الرقمية للمدارس، وتطوير نظم تقييم وطنية أكثر انتظامًا، وربط التدريب المهني للمعلمين بمعايير واضحة، وتوسيع استخدام البيانات في صناعة القرار التعليمي.
لكن الاستفادة لا تعني نسخ التجربة الخليجية. فلبنان يمتلك خصوصية تعليمية وثقافية تستحق الحفاظ عليها، ومن أبرزها التعدد اللغوي، والتنوع الثقافي، والتجربة الجامعية العريقة، والانتشار الواسع للكفاءات اللبنانية في المؤسسات التعليمية العربية والدولية.وفي المقابل، تستطيع الإمارات وقطر الاستفادة من الخبرة اللبنانية في التعليم متعدد اللغات، ومن الكفاءات الأكاديمية والتربوية اللبنانية المنتشرة في المنطقة. فالمعلم اللبناني، والباحث اللبناني، والأستاذ الجامعي اللبناني، يمكن أن يكونوا جزءًا من عملية تبادل معرفي عربي أوسع، بدل أن تتحول هجرة الكفاءات من لبنان إلى خسارة صافية للمنطقة.
المطلوب إذن ليس أن يصبح لبنان نسخة من الإمارات أو قطر، ولا أن تعود الإمارات وقطر إلى نموذج تعليمي لبناني قديم. المطلوب هو بناء مساحة عربية لتبادل الخبرات، بحيث تلتقي الموارد الخليجية مع الخبرة البشرية والأكاديمية اللبنانية، وتتحول الهجرة التعليمية إلى جسر معرفي بين البلدان العربية.
ومن هنا يمكن التفكير في ثلاث مبادرات عملية قابلة للتنفيذ.
أولًا، إنشاء منصة عربية مشتركة للموارد التعليمية الرقمية، تجمع المعلمين والباحثين ومؤسسات التعليم من لبنان ودول الخليج، وتتيح تبادل المناهج والأنشطة والتجارب الناجحة.
ثانيًا، إطلاق برامج تدريب ومنح للمعلمين اللبنانيين في مراكز ومؤسسات تعليمية خليجية، على أن يعود أثر هذه البرامج إلى المدارس اللبنانية من خلال التدريب ونقل الخبرات.
ثالثًا، توسيع الشراكات بين الجامعات اللبنانية والإماراتية والقطرية في مجالات البحث العلمي وتبادل الأساتذة والطلاب والمشروعات المشتركة، بما يسمح بتحويل العلاقات التعليمية إلى تعاون مؤسسي مستدام.
إن مستقبل التعليم العربي لن يُبنى بالمال وحده، كما لا يمكن أن يقوم على الخبرة وحدها. التعليم يحتاج إلى الدولة التي تستثمر، وإلى المعلم الذي يمتلك المعرفة، وإلى المدرسة القادرة على التطور، وإلى الجامعة التي تنتج البحث، وإلى الطالب الذي يتعلم كيف يفكر لا كيف يحفظ فقط.
ولبنان، رغم أزماته، لا يزال يمتلك ما يستحق الاستثمار فيه: الإنسان، والمعلم، والجامعة، والتعدد اللغوي، والخبرة المتراكمة. أما الإمارات وقطر، فقد قدمتا خلال السنوات الماضية نماذج مختلفة في الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والمهارات المستقبلية، مع استمرار الحاجة إلى تطوير جودة المخرجات التعليمية ومواكبة التحولات التكنولوجية وسوق العمل.
وتؤكد التجارب الثلاث، كل من موقعه، أن إصلاح التعليم ليس مشروعًا قصير الأمد، بل عملية مستمرة تتطلب رؤية وتمويلًا ومؤسسات ومعلمًا مؤهلًا.
وفي عالم عربي يتغير بسرعة، ربما يكون أفضل ما يمكن أن تفعله أنظمة التعليم العربية هو أن تتوقف عن النظر إلى تجارب بعضها بعضًا بوصفها نماذج متنافسة، وأن تبدأ بالنظر إليها بوصفها خبرات يمكن أن تتكامل. فالتعليم في النهاية لا يصنع مستقبل دولة واحدة فقط، بل يصنع قدرة المنطقة كلها على مواجهة المستقبل.



