خرافة العمل الجاد وحده: ماذا تعلّم رئيس MasterClass من الناجحين؟

نُشر هذا المقال في موقع CNBC Make It⁠، ويتناول رؤية الرئيس التنفيذي لمنصة MasterClass⁠ ديفيد روغييه حول مفاهيم النجاح والعمل الجاد والخوف من الفشل، بعد سنوات من محاورة مئات الشخصيات الناجحة من عالم الأعمال والرياضة والفنون. المقال يحاول تفكيك بعض الأفكار الشائعة التي يكررها الناس عن النجاح، وعلى رأسها الاعتقاد بأن العمل الجاد وحده يكفي لتحقيق الإنجازات الكبرى.

يرى ديفيد روغييه أن المجتمع يروّج لفكرة مبسطة ومضللة مفادها أن من يعمل بجد سيصل حتماً إلى النجاح، لكنه يعتبر أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالعمل الجاد عنصر ضروري، لكنه ليس العامل الوحيد. النجاح، بحسب تجربته مع كبار القادة ورواد الأعمال، يحتاج أيضاً إلى الجرأة على الخروج من منطقة الراحة، والاستعداد لتحمل المخاطر، والقدرة على ارتكاب الأخطاء ثم التعلم منها بدلاً من الانهيار بسببها.

ومن أهم الأفكار التي يركز عليها المقال أن الخوف من الفشل ليس شيئاً سلبياً دائماً كما يروَّج في كتب التنمية البشرية. روغييه يرفض الخطاب الذي يقول إنه يجب ألا نخاف من الفشل، معتبراً أن هذا الطرح غير واقعي. فهو يرى أن الخوف الصحي من الفشل يمكن أن يكون دافعاً قوياً يدفع الإنسان للاستعداد والتطور والعمل بجدية أكبر. الفرق الحقيقي ليس في غياب الخوف، بل في القدرة على التحرك رغم وجوده، وتحويل الفشل المحتمل إلى فرصة للتعلم والنمو.

المقال يربط هذه الفكرة بما يعرف في علم النفس بـ “عقلية النمو” أو Growth Mindset، وهي العقلية التي تعتبر أن القدرات ليست ثابتة، وأن الإنسان يمكنه التطور باستمرار من خلال التجربة والتعلم من الأخطاء. الأشخاص الناجحون الذين قابلهم روغييه لا يتجنبون الفشل، بل يتعاملون معه كجزء طبيعي من مسار النجاح، ويعتبرونه أداة لتحسين الأداء وصقل الخبرات.

ويستعرض المقال تجربة روغييه الشخصية عند تأسيس منصة MasterClass عام 2015، حيث أمضى أكثر من سنة في إجراء اتصالات باردة مع مئات الشخصيات المعروفة لإقناعهم بتقديم دورات تعليمية على المنصة. هذه المرحلة لم تكن سهلة، وتضمنت الكثير من الرفض والإحباط، لكنها علمته أن الإصرار وحده لا يكفي ما لم يقترن بالمرونة والقدرة على التكيف مع الإخفاقات المتكررة.

كما يسلط المقال الضوء على قصة رائدة الأعمال الشهيرة Sara Blakely، التي أصبحت من أبرز الأمثلة على تحويل الفشل إلى مصدر قوة. بلايكلي تحدثت سابقاً عن دور والدها في تغيير نظرتها للفشل، إذ كان يسألها هي وأخاها باستمرار: “بماذا فشلتما هذا الأسبوع؟”. هذا السؤال لم يكن بهدف الإحراج، بل لتشجيعهما على المحاولة وخوض التجارب الجديدة دون خوف مفرط من النتائج. ومن خلال هذا الأسلوب تربت على أن الفشل الحقيقي ليس في الخسارة، بل في عدم المحاولة أساساً.ويشير المقال إلى أن روغييه استلهم من هذه الفكرة أسلوباً إدارياً داخل شركته، حيث يرسل أسبوعياً إلى الموظفين رسالة يسألهم فيها عن الأمور التي فشلوا فيها مؤخراً، وما الدروس التي يمكن استخراجها منها لتحسين الأداء مستقبلاً. هذه الثقافة تهدف إلى خلق بيئة عمل لا تخاف من الخطأ، بل تعتبره جزءاً من عملية الابتكار والتطور.

ومن النقاط المهمة التي يناقشها المقال أيضاً أن النجاح لا يعتمد فقط على الكفاءة والعمل المتقن، بل يحتاج إلى القدرة على تسويق الإنجازات والتحدث عنها بوضوح. روغييه ينقل هنا نصيحة أستاذ السلوك التنظيمي في جامعة ستانفورد Jeffrey Pfeffer، الذي يؤكد أن كثيراً من الناس يعتقدون أن العمل الجيد سيتحدث عن نفسه، لكن الواقع المهني يثبت أن من لا يبرز إنجازاته قد يبقى غير مرئي مهما كان موهوباً.

ويؤكد المقال أن الأشخاص الناجحين غالباً ما يمتلكون القدرة على عرض إنجازاتهم بثقة، وجذب الانتباه إلى أعمالهم دون تردد. فالعالم المهني لا يكافئ دائماً الأكثر اجتهاداً بصمت، بل يكافئ أيضاً من يعرف كيف يقدّم نفسه ويظهر قيمته للآخرين. لذلك يشدد روغييه على أهمية “الظهور” والتواصل الفعال، معتبراً أن النجاح يحتاج أحياناً إلى مهارات اجتماعية وتسويقية بقدر حاجته إلى المهارات التقنية أو المهنية.

في المجمل، يقدم المقال رؤية واقعية ومتوازنة لمفهوم النجاح، بعيداً عن الشعارات المثالية المعتادة. الرسالة الأساسية التي يحاول إيصالها هي أن النجاح ليس معادلة بسيطة قائمة على العمل الجاد فقط، بل هو مزيج من الجرأة والتعلم المستمر والقدرة على تحمل الفشل والتعبير عن الذات بطريقة فعالة. كما يدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بالخوف والإخفاق، والتعامل معهما كجزء طبيعي من مسيرة التقدم وليس كعلامة ضعف أو نهاية للطموح.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn