لغةٌ تغنّى بها الشّعراء عبر العصور، وزرعت قيمًا وأخلاقًا، بل روحًا أدبيّةً نابضة بالحياة، ومتألّقة بأرقى الصّور الجماليّة والتّعبيريّة. إنّها لغتنا العربيّة، لغة الضّاد، مهد الحضارات وأصالة التّاريخ. فأين هي اليوم؟ وهل ما زالت تحافظ على قيمتها وجذورها، أم أنّها تُقصى بصمتٍ موجع؟
إنّها صرخةٌ عربيّة تبكي على الأطلال، وتتساءل بحسرة: أين غاب كلّ هذا الجمال؟ جمال الحرف حين يُنطق، وجمال الأسلوب، وعمق الخيال والتّعبير الذي كاد يومًا أن يعانق الكمال.
نحن اليوم أمام مرحلةٍ من الانحطاط اللّغوي، يتجلّى في بيوتنا كما في مدارسنا. فلا يجوز أن نلقي اللّوم على طرفٍ واحد، فاللّغة تستنجد بنا جميعًا: كبارًا وصغارًا، معلّمين وإداريّين، تربويّين وأهلًا. إنّها تدعونا لأن نحتضن أبناءنا، ونعيد للغتنا عزّها، وروحها، ومكانتها في مجتمعنا.
ولكن، كيف السبيل إلى ذلك؟أوّل ما ينبغي علينا السعي إليه هو استعادة حضور المفردات العربيّة في حياتنا اليوميّة؛ فاللّغة ليست مادّةً دراسيّة فحسب، بل هي بيتنا الأوّل، نسمعها ونردّدها في منازلنا، لتغدو تاجًا على رؤوس أطفالنا يفتخرون به. فكما نغتني بلغات العالم، دعونا نغتني بلغتنا الأم، ونزرعها في قلوب أبنائنا قبل عقولهم.
وهنا يبرز دور المعلّم بوصفه حجر الأساس في هذه المسيرة؛ فطريقة تقديمه للّغة داخل الصّفوف وخارجها قادرة على إحيائها أو إخماد وهجها. وكلّما أبدع المعلّم في أسلوبه، وأضاف سحرًا إلى طريقته في ترسيخ اللّغة، ارتفعت مكانتها، وصُقِل جوهرها في نفوس المتعلّمين.
ولأهلنا نقول: بكم تتّسع مدارك أطفالنا، وبكم تُبنى شخصيّاتهم اللّغويّة. ادعموهم، وشجّعوهم على استخدام لغتهم، وأرجوكم ألّا تطلقوا على العربيّة صفة «الصّعوبة» أمامهم، ولا تستبدلوها في أحاديثكم بلغاتٍ أخرى؛ فأطفالنا يُقلّدوننا، فلنكن لهم خير مثال في الاعتزاز بلغتنا والحفاظ عليها، في حضورهم كما في غيابهم.
وتمتدّ صرختنا إلى إدارات المدارس، داعيةً إلى إحياء اللّغة العربيّة لا في النّشاطات والاحتفالات فحسب، بل في الممرّات، واللّقاءات اليوميّة، والحِوارات العابرة. فلتكن العربيّة جزءًا لا يتجزّأ من المجتمع المدرسي، ولنعطِ طلّابنا مساحةً للخطأ؛ فالخطأ بداية التعلّم، وبوّابة الإتقان، لا نهايته.
ختامًا، أؤكّد أنّ اللّغة ستبقى أصدق وسائل التّعبير، وهي اليوم لا تحتاج إلى إنقاذ بقدر ما تحتاج إلى عودة… عودةٍ إلى القلب، وإلى المعنى، وإلى فرحة الكلمة التي تصنع وعيًا، وقادة، وقوّة، وقدوة.
تحيّةً للغتنا العربيّة في يوم عيدها، وعهدًا بأن نتعاضد ونتكاتف لنُعيد لها حقّها، ونضعها من جديد على عرش اللّغات.



