ظلّ أبي قصة قصيرة للكاتب فاروق غانم خداج

قال الناس إنّ اليتيمَ طفلٌ لا أبَ له، لكنّني أعلم أنّ اليُتم ليس عمرًا، بل ظلٌّ طويلٌ لا يفارق القلب، حتى لو بلغ المرء الخامسة والأربعين.

أنا رامي.وُلدتُ ذات شتاءٍ صاخب في بيتٍ جبليّ صغير، وقُتل أبي وأنا ما زلتُ في شهري الأول. لم أعرف ملامحه إلا من الصور، ولم أسمع صوته إلا في ذاكرتي المتخيَّلة. كبرتُ على صوت أمي وهي تهمس كل ليلة: “كان والدك بطلًا، يا رامي.” وكنتُ أصدّقها.

مرّت السنوات، وكلّما سألني أحدهم: “ماذا تذكر عن والدك؟” أضحك، أو أتهرّب، أو أقول: “كان يشبهني.” كنتُ أختلق أبًا في مخيلتي كي لا يبدو غيابه كاملًا.

فلا صورة تشبهني به، ولا ذكرى تجمعني معه. نشأتُ في بيتٍ غاب عنه حضور الرجال. جدّي لأمي صامتٌ كالحائط، وخالي لا يحبّ الضوضاء، أمّا أمي فسيّدة الجراح الصامتة، تبيع أساورها لتطعمني، وتحني ظهرها كي لا ينحني كبريائي.

طفلٌ هشّ بعينين واسعتين، أراقب العالم من شقّ الباب، أخاف أن أنكسر، وأخاف أكثر أن أكون عبئًا. في المدرسة، غالبًا الأول، لا لأنني عبقري، بل لأنّه لم يكن في البيت من ينتظرني سوى الكتب. أجلس في الزاوية، أحلّ المسائل بصمت، وأحفظ دفتري نظيفًا كقلبي.

مرّ عيد الأب ذات يوم، وطلبت منّا المعلمة أن نكتب رسالة لآبائنا. كتبتُ على ورقة صغيرة: “إلى أبي… أين أنت؟” ثم طويتها، ووضعتها في جيبي، وظلّت معي سنوات طويلة. حين بلغت العشرين، ظنّ الجميع أنني أصبحت رجلًا. عملتُ في مكتبة صغيرة، وتعلّمتُ الصمت من رفوف الكتب، والهدوء من رائحة الورق.

أرى الآباء يأتون مع أبنائهم، يشترون لهم الكتب، ويمسحون على رؤوسهم، فأغضّ الطرف كأنّ شيئًا لم يحدث في صدري.ظننتُ أنّني لن أحبّ، حتى دخلت نادين إلى المكتبة ذات ظهيرة، تبحث عن كتاب نفدت نسخه. وقفت أمام الرفّ الفارغ طويلًا، ثم التفتت إليّ وقالت:”لا بأس، سأنتظره. أنا معتادة على انتظار الأشياء التي تستحق. “ابتسمتُ دون أن أعرف لماذا.

عادت في الأسبوع التالي، وفي الذي يليه، حتى صارت زياراتها جزءًا من نظام أيامي. في إحدى المرات، سألتني عن الصورة الصغيرة الموضوعة خلف الطاولة.قلت لها: “إنّه أبي.” ولم أضف شيئًا.

لم تسأل أكثر، لكنها في المرة التالية أحضرت لي كتابًا عن الفقد والذاكرة، ووضعته أمامي دون تعليق. كان ذلك أبلغ من أي كلام. سألتها مرة: “لماذا تحبينني؟ أنا لا أملك شيئًا يُروى.”ضحكت، ثم جدّت فجأة وقالت: “لأنك تسمعني حتى حين لا أتكلم. من تربّى على غياب، يتعلم أن يصغي جيدًا لمن يبقى.

“يومها لم أفهم تمامًا ما قصدته، لكنني أدركت أنها رأت فيّ شيئًا لم أُرِه لأحد. حين أخبرتها أخيرًا أنني يتيم، لم تبدِ شفقة، بل قالت: “لكنك أصبحت رجلًا، رغم ذلك. “تزوجنا، وسكنت معي في بيتي الذي ما زال يحمل رائحة أمي. أنجبنا طفلًا أسميته مالكًا، على اسم أبي.

لأول مرة شعرت أن شيئًا من أبي قد عاد. أحمله وأقول له:”أبوك لم يعرف أباه، لكنك ستعرفني.”لكنّ الحياة، كما تعلم، لا تعطي بلا مقابل. بعد سنوات، وقعت أزمة اقتصادية، وأُغلقت المكتبة. عملتُ في التوصيل، ثم في مطبعة، ثم في كل ما يكسر الظهر ولا يملأ الجيب.

بدأ مالك يسأل أسئلة صغيرة: لماذا يأتي أبو صديقه ليصطحبه من المدرسة؟ لماذا يتحدث الجيران عن أجدادهم في المناسبات؟ أجيبه بكلمات مقتضبة، وأغيّر الموضوع بسرعة، ظانًّا أن الصمت سيحميه من سؤال أكبر.

لكن ما كسرني حقًّا لم يكن الفقر، بل سؤاله ذات مساء وهو يرتّب ألعابه قبل النوم: “بابا، لماذا جدّي ليس معنا؟ “نظرتُ في عينيه، فرأيت شبهي فيهما. قلت:”جدّك قد مات يا مالك.”قال:”لماذا مات؟ “صمتُّ.

كيف أشرح لطفلٍ أن الحياة تسرق أحبابنا قبل أن نحفظهم، وأنّني ما زلت أكتب رسائل لأبٍ لم يقرأ يومًا؟ في الليالي، أستيقظ على حلم يتكرر: أبي يدخل البيت، يضع يده على كتفي، ويقول:”أنا فخور بك. “ثم أستيقظ، فلا أجد سوى العتمة.

في الخامسة والأربعين، وأنا واقف في المطبعة، ظهري منحنٍ من التعب، فكّرت في كفّ لم أعرف دفأها قط، وفي يدٍ كان يجب أن تمتد إليّ حين أرتبك، فلا أجدها في أي زاوية من ذاكرتي. لكنّ الكتب التي قرأتها، والحروف التي حفظتها، والدعاء الذي ترسّخ في ذاكرتي من فجر أمي: “يا رب، احفظ ابني”، كلّ ذلك شكّلني.

في أحد الأيام، جاءتني دعوة من مدرسة مالك لحضور “يوم الأب”. ارتبكتُ.جلست في المقعد المخصص للآباء، والطفل إلى جواري يرسم. رسمَني ثم رسم في الزاوية وجهًا آخر، بشارب كثيف وابتسامة كبيرة. قلت له:”من هذا؟”قال:”هذا جدّي، الذي تحدثني عنه دائمًا. “ابتسمت، شعرتُ أن أبي، رغم كل شيء، حاضر. فيّ، وفي ابني، وفي الظل الذي لا يغادر.

في تلك الليلة، عدت إلى البيت، وأخرجت الرسالة القديمة من محفظتي: “إلى أبي… أين أنت؟” وكتبت تحتها:”أنا هنا… لقد صرتُ أنت.

“الساعة الآن الثالثة فجرًا. البيت نائم.أكتب، والذاكرة تشتعل. ربما هذه ليست قصة، بل اعتراف.وبقي ظلّه يمشي معي…

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.