في يوم اللغة العربية: شهادةُ معلّمٍ لم يخُنِ اللغةَ… ولم تخُنْه. بقلم الاستاذ فاروق غانم خداج

في الثامن عشر من كانون الأوّل، لا أستطيع أن أكتب عن اللغة العربيّةِ ببرودِ المناسبات، ولا أن أحتفي بها من مسافةٍ باردة. هذه اللغةُ ليست موضوعًا عابرًا في حياتي، بل هي العمرُ نفسُه؛ عمري الذي قضيته بين الصفوفِ، والدفاترِ، والكتبِ، والكلماتِ التي حاولتُ أن أزرعَ فيها معنىً، لا علامةَ إعرابٍ فقط.

أنا معلّمُ لغةٍ عربيّة، نعم، لكنّني قبل ذلك تلميذٌ دائمٌ لها. دخلتُ الصفوفَ شابًّا، وأنا أحمل يقينًا بسيطًا: أنّ اللغةَ ليست مادّةً، بل علاقة. ومع السنين، أدركتُ أنّ أصعبَ ما في تعليمِ العربيّة ليس قواعدَها، بل الدفاعَ عنها في زمنٍ يُشكّك في جدواها، ويعاملُها كعبءٍ لا ككنز، وكواجبٍ ثقيلٍ لا كحقٍّ إنسانيّ.

علّمتُ العربيّةَ لأجيالٍ مختلفة، في ظروفٍ صعبة، وبيئاتٍ متناقضة. رأيتُ في عيونِ بعضِ التلاميذ خوفًا منها، وفي عيونِ آخرين مللًا، وفي قلّةٍ نادرةٍ شغفًا حقيقيًّا. وتلك القلّةُ كانت كفيلةً بأن تذكّرني، وسطَ العتمة، بأنّ الجمرَ لا يزال متّقدًا، وأنّ الجمالَ قادرٌ على اختراقِ حتى أكثرِ النفوسِ خوفًا.

من أجل هؤلاء، كنتُ أعودُ إلى الصفّ كلّ صباح، مؤمنًا بأنّ بذرةً واحدةً صادقة قد تُنقذ موسمًا كاملًا من الجفاف.اللغةُ العربيّة، كما عرفتها وعلّمتُها، ليست لغةَ محفوظات، بل لغةَ تجربة. هي لغةٌ قادرةٌ على أن تحملَ الألمَ والفرح، وأن تحتويَ السؤالَ الوجوديّ كما تحتضنُ التمرّدَ والشكّ. فيها من السعةِ ما يجعلُها بيتًا للفكر، لا متحفًا للذكريات.

لكنّها، للأسف، كثيرًا ما تُقدَّم في مدارسِنا كجسدٍ بلا روح، وكأنّنا نُدرّس هيكلَها ونخشى روحَها.

ومن هنا يبدأ الخللُ الحقيقيّ. فالسنواتُ التي قضيتُها في التعليمِ أقنعتني بأنّ المشكلةَ لا تكمن في العربيّةِ ذاتِها، بل في علاقتِنا السلطويّةِ بها.

نطلبُ من الطالبِ أن يُحبَّ لغةً نُعاقبه بها، وأن يُتقن نصوصًا لا نربطُها بحياتِه، وأن يحفظَ قواعدَ لا نُريه كيف تُستخدم في التعبيرِ الحرّ. نضعُ اللغةَ في موقعِ القاضي لا الرفيق، وفي موقعِ السوط لا الجسر، ثمّ نتساءل، بدهشةٍ مصطنعة، لماذا يهربُ منها.

ولا يقلّ وجعُ هذه العلاقةِ حدّةً حين أنتقلُ من الصفّ إلى دورِ المدقّقِ اللغويّ. كم مرّةٍ وجدتُ نفسي أمام نصوصٍ يكتبها أصحابُ شهاداتٍ عليا، دكاترة وباحثون، يتباهون، بلا خجل، بأنّهم «لا يتقنون العربيّة». يقولونها كأنّها فضيلة، أو علامةُ تحرّرٍ ثقافيّ، ثمّ يسلّمون نصوصَهم لمدقّقٍ لغويّ ليُنقذ ما يمكن إنقاذه.

في تلك اللحظات، كنتُ أشعر بمرارةٍ مضاعفة. لا لأنّ النصّ ضعيفٌ فحسب، بل لأنّ صاحبَه لا يرى في اللغةِ فكرًا، بل خدمةً ثانويّة. كأنّ المعنى يُولد كاملًا في ذهنِه، ثمّ تأتي العربيّةُ لتزيّنه شكليًّا.

كنتُ أتعامل مع الجُمل كما يتعامل الطبيبُ مع جرحٍ عميق، مدركًا أنّ الخللَ ليس في السطح، بل في النظرةِ إلى اللغةِ نفسِها.

أنا لا أرى في تعلّمِ اللغاتِ الأجنبيّة تهديدًا للعربيّة، بل أراه ضرورةً حضاريّة. الخطرُ الحقيقيّ هو أن يتقنَ المرءُ لغةَ العالم، ويعجزَ عن التعبيرِ عن نفسِه بلغتِه الأمّ. حينها، لا يخسرُ العربيّةَ وحدَها، بل يخسرُ جزءًا من وعيِه، لأنّ اللغةَ الأمّ ليست وسيلةَ كلامٍ فقط، بل أداةَ تفكير.

العربيّةُ لغةُ تفكير، لا لغةُ تزيين. من يجرّبُ أن يكتبَ بها بصدق، يعرف أنّها لغةٌ تُحاسبك، ولا تسمحُ لك بالسطحيّة. وربّما لهذا السبب يُتعبُ البعضُ التعاملَ معها، فيستبدلونها بلغةٍ أسهل، لا لأنّها أعمق، بل لأنّها أقلُّ مقاومة.

ككاتب، أدركتُ أنّ العربيّةَ لا تمنحُك المعنى مجّانًا. عليك أن تحفرَ، وأن تُصغي، وأن تُراجعَ نفسَك. لكنّها حين تمنحُك، تفعلُ ذلك بكرمٍ نادر. كلمةٌ واحدةٌ فيها قد تحملُ تاريخًا، وإيقاعًا، وطبقةً شعوريّةً لا تُستبدل.

وأدركتُ، مع الوقت، أنّ علاقتَنا السلطويّةَ باللغة ليست سوى انعكاسٍ لعلاقةٍ أوسع بالمعرفةِ نفسِها. نحن نخافُ السؤال، ونرتابُ من الشكّ، ونربّي أبناءَنا على الطاعةِ قبل الفهم. وحين تُربّى اللغةُ في مناخِ الخوف، تتحوّل من أداةِ تحرّرٍ إلى أداةِ ضبط.

واليوم، يضافُ إلى ذلك تحدٍّ جديد: الفضاءُ الرقميّ. فالمعركةُ لم تعد في الصفوفِ وحدَها، بل على الشاشات. لغتُنا تخسرُ حضورَها لا لعجزٍ فيها، بل لغيابِ مشروعٍ يجعلُها لغةَ حياةٍ رقميّة، لغةَ محتوى وإبداع، لا لغةَ بياناتٍ رسميّةٍ جافّة.لغتُنا اليوم في حاجةٍ إلى أبنائِها كما كانت دائمًا: إلى شعراء يوسّعون حدودَها، ومفكّرين يختبرون عمقَها، ومترجمين يفتحون نوافذَها على آدابِ العالم، ومعلّمين يصنعون جسورًا بين جمالِها الموروث وأسئلةِ الجيلِ الحائر.

في يومِ اللغةِ العربيّة، لا أكتبُ مديحًا إنشائيًّا، ولا مرثيّةً حزينة. أقول فقط: هذه لغةٌ مظلومة، لا ضعيفة؛ مُهمَّشة، لا عاجزة. تحتاجُ إلى عدالةٍ ثقافيّةٍ وتربويّة، لا إلى شفقة.

أما أنا، وبعد عمرٍ أمضيتُه في التعليمِ والكتابة، فأشهد: لم تخذلني العربيّةُ يومًا. كانت قاسيةً أحيانًا، نعم، لكنّها كانت صادقة. وكلّ ما أرجوه، أن نكونَ نحن، أبناؤَها، على قدرِ هذا الصدق.

فاللغةُ التي عاشت قرونًا، واحتملت الهزائمَ والانتصارات، قادرةٌ على أن تعيشَ فينا اليوم، لا إلى جانبِنا؛ قادرةٌ على أن تكونَ نبضَ الحاضر، لا صدى الماضي. وهذا التحوّل يبدأ حين نكفّ عن أن نكونَ حرّاسًا لمتحفِها، ونصيرَ سكّانًا فاعلين في بيتِها الواسع.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn