لماذا يرفض الشباب اليوم المناصب القيادية رغم كفاءتهم؟

نُشر هذا المقال في موقع IOL (Weekend Argus) ضمن قسم الرأي، حيث تقدّم الكاتبة ليندي فان دن بارسيلار قراءة تحليلية معمّقة لظاهرة متصاعدة تتمثل في عزوف الأجيال الشابة، وتحديدًا جيل الألفية (Millennials) والجيل Z، عن تولّي المناصب القيادية، رغم امتلاكهم الكفاءة والقدرات اللازمة لذلك.

يعرض المقال فكرة محورية لافتة تتمثل في ما تسميه الكاتبة “انقطاع التيار القيادي” (Leadership Blackout)، وهي حالة لا تنبع من نقص في المواهب، بل من تراجع الرغبة في القيادة. فالأزمة هنا ليست في غياب الكفاءات، بل في فقدان الجاذبية التي كانت تتمتع بها الأدوار القيادية تقليديًا. هذه الفكرة تعكس تحوّلًا عميقًا في فهم العمل والطموح والرفاه، حيث لم يعد الصعود الوظيفي هدفًا بحد ذاته إذا كان يأتي على حساب التوازن النفسي والحياتي.

يتوسع المقال في شرح التحول النفسي في مفهوم الطموح لدى الأجيال الجديدة، إذ لم تعد القيادة تُرى كمسار طبيعي للنجاح، بل كعبء يتطلب تضحيات كبيرة. فالنموذج التقليدي للقيادة، القائم على ساعات عمل طويلة وضغوط مستمرة وتحمّل مسؤوليات دون دعم كافٍ، أصبح منفّرًا بدل أن يكون محفّزًا. في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرة، خصوصًا في جنوب أفريقيا حيث ترتفع نسب البطالة بين الشباب، تبدو القيادة مخاطرة أكثر منها فرصة.

كما يسلّط المقال الضوء على خلل بنيوي في نموذج القيادة نفسه، إذ لم يعد ملائمًا لواقع العمل الحديث القائم على التغير السريع، والعمل الهجين، والتوقعات المتزايدة من الموظفين. فالأجيال الجديدة تبحث عن التأثير والمعنى، لا عن السلطة الشكلية، وتفضّل بيئات عمل تمنحها مرونة واستقلالية بدل القيود الهرمية.

أحد أبرز العوامل التي يطرحها المقال هو انهيار منظومة الإرشاد (Mentorship)، حيث تشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من العاملين لم يحظوا بمرشد مهني. هذا الغياب يقطع سلسلة نقل الخبرة بين الأجيال، ويجعل مسار الوصول إلى القيادة غامضًا وغير محفّز. ومع تقاعد القيادات الحالية أو انتقالها إلى أنماط عمل أكثر مرونة، تتسع الفجوة القيادية تدريجيًا.

في سياق متصل، يناقش المقال تأثير الاقتصاد الحر (Gig Economy) الذي أعاد تشكيل مسارات العمل، خاصة لدى الجيل Z. إذ يميل الشباب إلى الأعمال المستقلة والمشاريع المؤقتة التي تمنحهم حرية أكبر وتنوعًا في الخبرات، ما يجعل الوظائف القيادية التقليدية أقل جاذبية مقارنة بهذه البدائل. هنا تصبح القيادة مطالبة بالتنافس مع نماذج عمل أكثر مرونة وليس فقط مع وظائف أخرى.

ينتقل المقال إلى طرح حلول عملية، مؤكدًا أن على المؤسسات إعادة تصميم مفهوم القيادة جذريًا، عبر تبني نماذج قائمة على التعاون والتوجيه بدل السيطرة، وتعزيز الإرشاد كعنصر أساسي في بناء القيادات، والتركيز على المهارات بدل الشهادات.

كما يشدد على ضرورة إدماج الرفاه النفسي كجزء من الكفاءة القيادية، لأن القيادة المستدامة هي التي يمكن للناس أن يرغبوا بها، لا أن يهربوا منها.في الخلاصة، يقدّم المقال رؤية استراتيجية مفادها أن أزمة القيادة ليست نقصًا في القادة، بل نقصًا في الحوافز التي تجعل الأفراد يرغبون في أن يكونوا قادة. وبالتالي، فإن مستقبل المؤسسات مرهون بقدرتها على صياغة “عقد قيادي جديد” يتماشى مع قيم وتطلعات الأجيال الصاعدة.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn