بين كل ما يشيده الإنسان، تظلّ القيم هي العمران الحقيقي للأمم. وفي زمنٍ تتصدّع فيه العلاقات داخل مجتمعات كثيرة، يبرز التسامح بوصفه اللغة الوحيدة القادرة على ترميم ما انهدم، وإعادة التربية إلى جوهرها الأساس: بناء إنسانٍ قادر على التعايش مع العالم بسلام.
وعلى هذا المسار، تتقدّم دولة الإمارات بمبادراتها التربوية التي لا تكتفي بالاحتفاء بالقيم، بل تُحوّلها إلى ممارسة عملية قابلة للقياس والتحليل والتطوير.في هذا الإطار، تأتي المبادرة البحثية التي أطلقها الباحث التربوي الإماراتي علي البدواوي لقياس قيم التسامح باستخدام أدوات علمية رصينة، تشمل “مقياس تورونتو للتعاطف” و”مقياس النزعة نحو التسامح”. وتمثل هذه الخطوة نقلة نوعية تتجاوز النمط التقليدي للاستبيانات التربوية، لتضع المدرسة تحت عدسةٍ تُرصد من خلالها البيئة الوجدانية للتعلّم، وتُقرأ فيها العلاقات الإنسانية بوصفها عنصراً جوهرياً في العملية التعليمية.
إنّ الدراسة التي يقودها البدواوي تعمل كمرايا دقيقة تعكس واقع المدرسة بوضوح: هل يشعر الطالب بالأمان والانتماء؟ هل يواجه يومه بثقة وقدرة على التكيّف؟ هل تقوم العلاقات بين الطلاب على احترامٍ متبادل وتعاونٍ بنّاء؟ وهل تُسهم الأسرة في تعزيز السلوكيات الإيجابية؟ والأهم: هل تنجح المدرسة في تأسيس إنسانٍ يعرف كيف يتقارب مع الآخر، لا كيف يتنازع معه؟هذه الأسئلة، على بساطتها، نادراً ما تحتل موقعاً متقدّماً في السياسات التعليمية العربية، التي تنشغل غالباً بالبنى التحتية والمناهج والامتحانات، بينما تُهمل الأسس النفسية والأخلاقية التي تُشكّل عمق العملية التربوية. من هنا تأتي أهمية المبادرة الإماراتية، التي تُعيد الاعتبار لما هو جوهري: فالتربية ليست نقلاً للمعرفة فحسب، بل هي تشييد للوجدان.
ومن أبرز ميزات هذه الدراسة منهجيتها الدقيقة؛ فهي لا تعتمد على الانطباعات العامة، بل على مؤشرات قابلة للقياس: مستويات التعاطف، درجات الحزم، طرق استجابة المربين للسلوكيات السلبية، وآليات التعامل مع مظاهر العنف أو السخرية أو الكذب. كما تطرح أسئلة عميقة حول قدرة المعلم على ملاحظة الحالة النفسية للطالب، من حزن أو قلق أو عزلة. وهكذا تتحوّل القيم إلى مجال بحثي قابل للدرس، لا مجرد شعارات عابرة.
وتكمن أهمية إضافية في شمولية المنهج، من خلال إشراك جميع عناصر العملية التربوية: الطالب، والمعلم، وولي الأمر. وهذا التكامل يُجدد التأكيد على أن التربية مسؤولية جماعية، وأن قيماً كالتسامح لا تُغرس عبر الخطب أو الاحتفالات، بل من خلال شبكة يومية من الممارسات والعلاقات التي ينمو في ظلّها الطفل.
وبهذا الجهد، لا تتعامل الإمارات مع التسامح كزينة ثقافية أو مناسبة موسمية، بل كمشروع وطني دائم التقييم والتطوير. فهي تدرك أن القيم، مثل الكفاءات، تحتاج إلى متابعة. فتحوّل الدراسة التسامح إلى مؤشر أداء، والتعاطف إلى مهارة، والمدرسة إلى فضاء يُعاد فيه تشكيل ملامح مجتمع قادر على العيش المشترك.
وبوصفي كاتباً من لبنان، ذلك البلد الذي أنهكته الانقسامات التي تسللت إلى مؤسساته وأطفاله، أرى في هذه المبادرة نموذجاً عربياً يحتذى. فغياب ثقافة التسامح لم يخلّف إلا مجتمعات متعبة، تُعيد إنتاج نزاعاتها مرة بعد أخرى. وربما يبدأ التغيير الحقيقي من المدرسة، من أجيالٍ تتعلّم أن الاختلاف فرصة للفهم، لا باباً للصراع.
ولو أن دولاً مثل لبنان وسوريا واليمن والعراق اعتمدت دراسات مشابهة، لأمكنها رصد مشكلاتها في بداياتها، وفهم جذور التوتر لدى الطلبة، وتطوير بيئة تربوية أكثر عدلاً وإنسانية. فالتعليم وحده قادر على كسر دائرة العنف المزمن، وصناعة إنسانٍ يرى العالم بعينٍ أكثر رحمة.
إن جهد علي البدواوي يتخطّى حدود البحث الأكاديمي؛ إنه إسهام في مشروع حضاري يُعيد الاعتبار للمشاعر في زمن تطغى فيه الأزمات على الروح. إنه تذكير بأن مستقبل المجتمعات يُبنى داخل جدران المدارس، وأن الطفل الذي يتعلّم التعاطف اليوم سيصبح مواطناً قادراً على تشكيل غدٍ أكثر هدوءاً واستقراراً.لهذه الأسباب، تُصبح هذه التجربة نموذجاً يُستحسن تعميمه في البلدان العربية الباحثة عن مخارج من أزماتها. فحين يتحول التسامح إلى عادة اجتماعية، لا شعارٍ مؤقت، تتغيّر طبيعة المجتمع، وتتقوّى وحدته، ويغدو الفرد أكثر قدرة على بناء وطنٍ يتسع للجميع.
وفي عالمٍ يُقاس فيه كل شيء، يحسن بنا أن نقيس أثمن ما نملك: إنسانيتنا. والإمارات، بهذه الدراسة الرائدة، تُثبت أن بناء الدول يبدأ أولاً من بناء الإنسان.



