«إننا نعيش في زمن لم يمر على البشرية أشد منه قسوة». تتعدد المبررات بتعدد المتحدثين؛ فمنهم من يشير إلى سرعة الإيقاع والتسارع التكنولوجي المخيف، ومنهم من يتوقف عند الاضطرابات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية المتسارعة التي تجعل الإنسان غريباً حتى عن نفسه. غير أن نظرة فاحصة في التراث الإنساني ومطوية التاريخ تبرز حقيقة لا لبس فيها، وهي أن الأجداد في كل عصر كانوا يرون زمانهم الأصعب، وأيامهم الأكثر تعقيداً وضيقاً. فهل يعبّر هذا الشعور العارم عن حقيقة واقعة تنفرد بها أيامنا، أم أنه ظاهرة اعتراض لنمط تفكير بشري يرفض أن يرى في واقعه سهولة علّ ذلك ينتقص من اهمية تعبه ؟
حين يمر الإنسان بضغط نفسي أو تحول اجتماعي، يميل ذهنه إرادياً أو لا إرادياً إلى اهمية اللحظة الحاضرة والتعاطف الكامل مع آلامها المباشرة. وتعرف هذه الظاهرة في عمقها النفسي بالانحياز للحاضر، حيث تبدو المعاناة المعيشة أكثر ثقلاً ، بينما تتضاءل آلام الماضي في الذاكرة الجمعية لتتحول إلى مجرد أرقام باردة وسطور جافة في كتب التاريخ. إن التفكير البشري يسقط مراراً في فخ مقارنة غير متكافئة…
فحين ننظر إلى الماضي، نقرأه غالباً بعد أن هدأت عواصفه وتصفت أزماته الكبرى، فيبدو كأنه كان زماناً أكثر بساطة وأقل تعقيداً، بينما تعاش تجربة الحاضر بكل تفاصيلها وتداخل مشاعرها وغموض أفقها.
هذا التباين الخدّاع هو الذي يولد الانطباع الراسخ بأن اللحظة الراهنة هي الاستثناء الأقوى في مسيرة البشرية.
وحين نجرؤ على إخضاع هذا الشغف التاريخي بوهم صعوبة الزمن للمنظور التحليلي الناقد، يتضح جلياً أن الأزمة الحقيقية لم تكن يوماً في حجم المشكلات بل في تحمّل وقعها. لقد كان زمن الأجداد مسرحاً لتحديات وجودية قاسية ومباشرة؛ كالأوبئة الفتاكة، والحروب التقليدية وانعدام أبسط وسائل العلاج أو الحماية، حيث كان البقاء ذاته إنجازاً خارقاً.
في المقابل، نجد أن زمننا المعاصر يفرز تحديات نفسية وذهنية عميقة، كالتضخم المعرفي، والأخبار الكارثية لحظة بلحظة، والعزلة الاجتماعية المقنّعة خلف الشاشات، والبحث المضني عن المعنى وسط ضجيج عالم لا ينقطع. هكذا يتبدل شكل الصراع؛ فبعد أن كان إنسان الأمس يصارع الطبيعة والظروف القاسية من أجل البقاء الجسدي، بات الإنسان المعاصر يصارع الحضارة الجديدة من أجل الحفاظ على سلامة روحه واتزانه الداخلي.
إن الاعتراف بأن «كل الأزمات متماثلة في جوهرها عبر التاريخ» لا ينبغي أن يفهم منه بأي حال من الأحوال التقليل من حجم معاناة الإنسان اليوم، أو إغفال مشاعره الإنسانية الصادقة والمشروعة من قلق وخوف وتطلع نحو الأمان.
فالصوت الأخلاقي والإنساني الحقيقي يفرض علينا أن نقر بواقعية المعاناة المعاصرة، بَيد أن استحضار البُعد التاريخي الواسع لا يهدف إلى التخفيف الوهمي للأوجاع، بل يهدف إلى إعادة وضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فالإنسان لم يكن وحيداً يوماً في مواجهة عبث الوجود، بل إن البشرية جمعاء سارت دائماً على حافة الهاوية ذاتها، واستطاعت عبر الصبر والمحبة والمعرفة أن تعبر المحن وتصنع المعنى من قلب العدم.
إن البحث العميق في طبيعة الزمن الإنساني يخلص في النهاية إلى أن «الصعوبة» ليست صفة ملتصقة بعصر دون آخر، بل هي القماش الأساسي الذي تُنسج منه التجربة البشرية برمتها.
كان الأجداد يواجهون عالمهم بأدواتهم المحدودة ومعاناتهم الخاصة، ويواجه المعاصرون عالمهم بأدوات أحدث وتحت ضغوط أشد تعقيداً، لكن الأسئلة الكبرى تظل هي هي: كيف نحافظ على إنسانيتنا؟ وكيف نضيء شمعة وسط عتمة الظروف؟
ربما لا تكون أوقاتنا هي الأصعب إطلاقاً في تاريخ العالم، ولكنها بكل تأكيد الأوقات الوحيدة التي نملك شرف عيشها والتأثير الحقيقي فيها.
حين نُدرك هذا البعد، فإننا نتحرر من شكوى العصر لنتحول إلى شاهد بصير يحول الشقاء البشري إلى شهادة حية على استمرارية وتجدد الروح الإنسانية.



