نُشر هذا المقال في موقع بيروت تايمز للكاتب اللبناني فاروق غانم خداج، ويتناول واقع عيد المعلم في لبنان في ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه البلد، مسلطًا الضوء على معاناة المعلمين بين رسالتهم التربوية وظروفهم المعيشية الصعبة.
يقدم المقال قراءة إنسانية عميقة لمكانة المعلم في المجتمع اللبناني، وكيف تحوّل عيد المعلم من مناسبة احتفالية إلى لحظة تأمل مؤلمة في حال التعليم ومستقبل البلاد.يعرض الكاتب في بداية المقال صورة المعلم اللبناني كما كانت راسخة في الذاكرة الاجتماعية. فقد كان المعلم شخصية تحظى بالهيبة والاحترام، وكان الأهل يسلمون أبناءهم إليه بثقة كاملة، باعتباره حامل رسالة معرفية وأخلاقية في آن واحد.
لم يكن المعلم مجرد موظف يؤدي وظيفة تعليمية، بل كان صانع عقول ومربي أجيال، وكان الصف الدراسي مساحة لتشكيل الفكر والوعي قبل أن يكون مكانًا لتلقين الدروس.لكن هذه الصورة المضيئة بدأت بالتصدع تدريجيًا مع الأزمات التي ضربت لبنان في السنوات الأخيرة. فالكاتب يرى أن عيد المعلم في لبنان لم يعد مناسبة للتهنئة بقدر ما أصبح مناسبة لطرح الأسئلة الصعبة: كيف يحتفل المعلم بعيده في بلد يثقل كاهله بالأعباء الاقتصادية؟ وكيف يستمر في أداء رسالته بينما يكافح يوميًا لتأمين أساسيات الحياة؟
يتوقف المقال عند الانهيار الاقتصادي الذي أصاب البلاد، مشيرًا إلى أن انهيار العملة الوطنية لم يكن مجرد حدث مالي، بل كارثة اجتماعية انعكست مباشرة على حياة المعلمين. فالرواتب التي كانت بالكاد تكفي لتأمين حياة متواضعة أصبحت اليوم غير قادرة على تغطية الحد الأدنى من متطلبات العيش، إذ تتراوح في أفضل الحالات بين نحو 500 و600 دولار شهريًا، وهو مبلغ لا يوازي تكاليف الحياة المتزايدة في لبنان.
ومن هنا يصف الكاتب المعلم بأنه أصبح عالقًا بين معادلتين قاسيتين: رسالة تربوية نبيلة من جهة، وضغوط معيشية متفاقمة من جهة أخرى. لم يعد السؤال الأساسي لدى كثير من المعلمين هو كيفية تطوير أساليب التعليم، بل كيف يمكنهم تأمين احتياجات أسرهم.ويشير المقال إلى أن هذه الظروف دفعت العديد من المعلمين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية بعد انتهاء الدوام المدرسي. فبعضهم يعمل في مهن أخرى مساءً، وبعضهم افتتح مشاريع صغيرة، بينما اختار آخرون طريق الهجرة. وهذه الهجرة، كما يوضح الكاتب، لم تكن خيارًا مريحًا بل اضطرارًا فرضته الظروف، إذ وجد كثير من المعلمين أنفسهم يبنون مستقبل أجيال جديدة في دول أخرى بينما يخسر لبنان خبراتهم التربوية.
أما الذين بقوا في لبنان، فيصفهم الكاتب بأنهم يحملون نوعًا من الإيمان الصامت برسالتهم. فهم يواصلون التعليم رغم الصعوبات لأنهم لا يريدون ترك الصفوف فارغة ولا التخلي عن الطلاب الذين قد يصبحون ضحايا إضافيين للأزمة.
ويورد المقال شهادة مؤثرة لإحدى المعلمات في مدينة عاليه، تقول فيها إنها تخطط لدرسها بينما تفكر في فاتورة الخبز، وتصحح دفاتر الطلاب وهي تحاول حساب مصروف الأسبوع. هذه الكلمات البسيطة تختصر حجم الضغوط النفسية التي يعيشها المعلم، إذ يجد نفسه مطالبًا بأن يكون مصدر طمأنينة لطلابه في الوقت الذي يعيش فيه هو قلقًا دائمًا على تفاصيل حياته اليومية.ولا تقتصر المشكلة على الجانب المادي فقط، بل تمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي. فالطلاب أنفسهم يدخلون الصفوف وهم يحملون إحباط بلد يعيش أزمة عميقة. وهنا يتحول دور المعلم من ناقل للمعرفة إلى حارس للأمل، يحاول إقناع الأطفال بأن المستقبل ما زال ممكنًا رغم كل شيء.
ويرى الكاتب أن أزمة عيد المعلم في لبنان ليست مجرد مسألة رواتب أو تحسين شروط العمل، بل هي في جوهرها أزمة رؤية وطنية للتعليم. فعندما تهمل المدرسة ينهار أساس المجتمع، وعندما يترك المعلم وحيدًا في مواجهة الأزمات فإن المجتمع كله يدفع الثمن.
كما ينتقد المقال السياسات الحكومية التي لم تضع التعليم يومًا في قلب الأولويات، رغم الإنفاق الكبير في مجالات أخرى. فالمدارس الرسمية تعاني نقصًا في الإمكانات، والمعلمون يضطرون غالبًا إلى تعويض هذا النقص بجهودهم الفردية، في حين تبقى خطابات الإصلاح حبيسة الكلام.
ويشير الكاتب إلى جانب آخر لا يقل خطورة، وهو تآكل المكانة المعنوية لمهنة التعليم. فالمعلم، بحسب المقال، ليس موظفًا عاديًا بل صانع العقول. وأي اهتزاز في مكانته ينعكس مباشرة على منظومة القيم التي تقوم عليها التربية. فإذا كان المعلم مثقلاً بهموم البقاء، فكيف يمكن أن يبقى قدوة في نظر طلابه؟
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يخلو المقال من إشارات إلى صمود المعلمين. فالكثير منهم يواصلون العمل بإخلاص، وبعضهم يشتري الوسائل التعليمية من ماله الخاص أو يقضي ساعات إضافية مع طلابه. إنهم يحاولون الحفاظ على شعلة التعليم في بلد يمر بأزمة عميقة.
ويخلص الكاتب إلى أن التعليم يبقى آخر ما يجب أن يسقط في أي مجتمع. فالمعلم قد لا يمتلك سلطة القرار السياسي، لكنه يمتلك سلطة أعمق: القدرة على تشكيل العقول وبناء الوعي. ومن هنا فإن مستقبل الأوطان لا يصنع فقط في مكاتب الحكومات، بل في الصفوف الدراسية حيث تتشكل أفكار الأجيال القادمة.
وفي ختام المقال، يؤكد الكاتب أن عيد المعلم في لبنان يجب أن يكون لحظة مراجعة وطنية حقيقية، لا مجرد مناسبة للعبارات الجميلة. فإذا أراد لبنان أن ينهض من أزماته، فعليه أن يبدأ من المدرسة، لأن التعليم هو الأساس الذي تقوم عليه أي عملية نهوض حقيقية.
وفي الصورة الأخيرة التي يرسمها المقال، يقف معلم متعب أمام السبورة يحمل طبشورة صغيرة. لكنها في يده ليست مجرد أداة تعليم، بل رمز لأمل أخير في بلد يواجه خطر الانهيار.وهكذا يتحول عيد المعلم في لبنان من احتفال رمزي إلى سؤال وجودي حول مستقبل التعليم ومستقبل الوطن معًا.
٢



