من الرياضة إلى السياسة والمنصات السريعة: معركة استنزاف الادراك | د. بيار الخوري

لطالما فُسرت التمريرات القصيرة المتكررة في كرة القدم على أنها وسيلة للحفاظ على الاستحواذ أو امتصاص ضغط الخصم. لكن ما قدمه ليونيل سكالوني مع المنتخب الأرجنتيني في مراحل حاسمة من كأس العالم يفتح الباب أمام قراءة مختلفة. فخلال فترات طويلة، كانت الكرة تنتقل بين اللاعبين عبر تمريرات قصيرة وسريعة، أحيانًا لمسافات لا تتجاوز مترًا أو مترين، من دون استعجال للوصول إلى المرمى. وكأن الهدف لم يكن مجرد الاحتفاظ بالكرة، بل دفع الخصم إلى اتخاذ مئات القرارات الصغيرة المتتالية: هل أضغط؟ هل أراقب؟ هل أتحرك؟ هل أتراجع؟ ومع مرور الوقت، يبدأ الإرهاق الذهني بالظهور قبل الإرهاق البدني، ثم تأتي التمريرة العمودية أو الهجمة الخاطفة التي تبدو، في ظاهرها، وكأنها غير متوقعة.

قد لا يكون هذا هو التفسير الوحيد لما فعله سكالوني، لكنه يقود إلى سؤال أوسع بكثير: ماذا لو كان أحد أهم أشكال الصراع الحديثة لا يقوم على استنزاف القوة، بل على استنزاف القدرة على اتخاذ القرار؟في السياسة، يبرز أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه مثالًا يستحق التأمل. فتصريحات متلاحقة، ومواقف قد تبدو متغيرة خلال ساعات، وانتقال سريع بين التصعيد والانفتاح على التفاوض، كلها تجعل الخصوم والإعلام والأسواق في حالة إعادة تفسير مستمرة. ما هو الموقف الحقيقي؟ هل تغيرت السياسة؟ هل يجب الرد الآن أم الانتظار؟ سواء كان ذلك مقصودًا أو ناتجًا عن أسلوب تفاوضي خاص، فإن النتيجة واحدة: جزء من طاقة الخصم يذهب إلى محاولة فهم الإشارات قبل أن يذهب إلى صياغة استراتيجيته.

وفي عالم الأعمال، لم تبنِ أمازون تفوقها على منتج واحد أو قرار واحد، بل على تدفق مستمر من المبادرات: خدمة جديدة، نموذج اشتراك، توسع في سوق مختلفة، تحسينات لوجستية، وتغييرات متواصلة في تجربة العميل. لم يكن المنافس يواجه معركة واحدة، بل سلسلة لا تنتهي من القرارات التي كان عليه اتخاذها بسرعة. وهكذا وجد كثيرون أنفسهم يلاحقون إيقاع أمازون بدل أن يصنعوا إيقاعهم الخاص.

أما المثال الأكثر حضورًا في حياتنا اليومية، فهو منصات الفيديو القصير. فهذه المنصات لا تطلب من المستخدم اتخاذ قرار كبير، بل تغرقه في سلسلة لا تنتهي من القرارات الصغيرة: هل أشاهد الفيديو التالي؟ هل أمرر؟ هل أتوقف بعد هذا المقطع؟ لكن كل تمريرة إصبع تفتح احتمالًا جديدًا قبل أن يُغلق الاحتمال السابق، فيبقى العقل في حالة متابعة مستمرة يصعب معها إنهاء التجربة. هنا لا يكون النجاح في جذب الانتباه للحظة، بل في إبقاء المستخدم داخل دائرة لا يشعر فيها بمرور الوقت، لأن كل قرار يقوده مباشرة إلى القرار التالي.

إذا وضعنا هذه الأمثلة جنبًا إلى جنب، فقد لا يكون الجامع بينها هو الرياضة أو السياسة أو التجارة أو التكنولوجيا، بل القدرة على فرض إيقاع معرفي على الطرف الآخر. ففي كل حالة، لا يتحقق التفوق بالضربة الأولى، بل بجعل الخصم أو المنافس أو المستخدم يستهلك موارده الذهنية في متابعة سلسلة متواصلة من الإشارات والقرارات الصغيرة، حتى يصبح أقل قدرة على المبادرة وأكثر ميلًا إلى رد الفعل.

هذه الفكرة تقترب من مفهوم طرحه المفكر العسكري الأميركي جون بويد في نظريته المعروفة بحلقة OODA: الملاحظة، ثم تفسير الواقع، ثم اتخاذ القرار، ثم التنفيذ. فالطرف الذي ينجح في التحرك بوتيرة أسرع من قدرة خصمه على إكمال هذه الدورة، يدفعه إلى اتخاذ قرارات متأخرة أو مبنية على واقع تغير بالفعل.

وربما لهذا السبب لم يعد الانتباه مجرد مورد اقتصادي كما تقول نظريات “اقتصاد الانتباه”، بل أصبح ساحة تنافس بحد ذاته. فالمعركة لم تعد تقتصر على جذب انتباه الإنسان، وإنما على التحكم بإيقاعه الذهني، وإبقائه في حالة معالجة مستمرة للمعلومات والاحتمالات.

قد يكون من المبكر اعتبار ذلك نظرية مكتملة، لكن المؤشرات المتفرقة في الرياضة والسياسة والأعمال والتكنولوجيا توحي بأننا أمام نمط استراتيجي جديد يمكن تسميته “الاستنزاف الإدراكي”. وإذا صح هذا الوصف، فإن أحد أهم أسلحة القرن الحادي والعشرين لن يكون امتلاك أكبر قوة أو أكبر ثروة، بل القدرة على جعل الخصم يستهلك انتباهه قبل أن يستهلك موارده.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn