​إزميل الروح: حوارية التخلي والارتقاء. | د. خطّار حاطوم

​في جلسة فكرية جمعتني بالصديق الدكتور شوقي أنيس عمار، لم يكن الحديث مجرد تبادل للآراء، بل كان أشبه بعملية “نحت” في مفهوم الكينونة البشرية. بدأ الحوار من سؤال جوهري: هل الإنسان يكتمل بما يجمعه، أم بما يتركه خلفه؟​

فلسفة النقصان لا الزيادة​

افتتح الدكتور شوقي الحوار بملحوظة عميقة قلبت موازين المفاهيم السائدة عن “التنمية الذاتية”، حيث اعتبر أن الوهم الأكبر الذي يطاردنا هو ظننا بأن الارتقاء عملية “تراكمية”. وبحسب رؤيته، فإننا نقضي العمر في جمع المعارف والألقاب، بينما صقل الروح الحقيقي هو في جوهره “فعل نقص”، تماماً كما يفعل النحات حين يزيل الشوائب عن الصخرة فيحرر التمثال القابع في قلبها.

​من هنا، اتفقنا على أن عظمة الإنسان لا تكمن فيما يضيفه لنفسك، بل فيما تملك الشجاعة “للتخلي” عنه. فإذا كان الرسام يضيف اللون، والكاتب يشيد عوالم من الكلمات، فإن “نحات الروح” يعتمد اللاهوت المعرفي (وهو منهج فلسفي يقوم على تعريف الجوهر من خلال نفي الصفات التي لا تليق بها، أي إدراك الشيء عبر معرفة ما ليس هو، بدلاً من محاولة حصر ما هو عليه).​

الإنسان كونه “النحات واللوحة” معاً، فقد ​تعمقت مناقشتنا حين طرحنا الإشكالية السيكولوجية لهذا الفن، حيث ان في “نحت الذات”، الإنسان هو الفاعل والمفعول به في آن واحد. وهنا يكمن الوجع الوجودي الذي أشرنا إليه، فنحن بالإزميل، لا نضرب حجراً أصما، بل نضرب أعصاب وعينا.

​لقد حللنا معاً هذا التشبث الإنساني بـ “الزوائد” النفسية، من نرجسية، ومخاوف، وأقنعة اجتماعية. واكتشفنا أن خشيتنا ليست من الإزميل فحسب ،إنما من خوفنا من ازالة الزوائد التي نعتبرها هويتنا. يمنحنا هذا “الثقل” شعوراً زائفاً بالاستقرار، بينما هو في الحقيقة قيدٌ يمنع الروح من التجلي. وكما يرى الدكتور شوقي، فإن كل قطعة رخام تسقط هي بمثابة موت صغير لنمط قديم، لكي يفسح المجال لولادة “الإنسان” الجاهز والمكتمل.

و​ختمنا حوارنا بنتيجة مفادها أن الحكمة العليا اليوم ليست “التعلم” المستمر، بل القدرة على “التحرر من التعلم” (Unlearning). السؤال الذي يجب أن يواجه به كل مثقف نفسه هو: “عن ماذا يمكنني أن أستغني لأكون أنا؟”.​

إن “الغريب المقيم” في أعماقنا، والذي لطالما بحثنا عنه في الكتب والأسفار، ليس إلا جوهرنا الصافي الذي ينتظر أن يزاح عنه غبار التوقعات وضجيج العالم.​​إن الإنجاز الأسمى، كما تبلور في حواري مع الدكتور شوقي أنيس عمار، ليس في الصروح التي نشيّدها خارجنا، بل في تلك اللحظة التي نقف فيها أمام مرآة الروح، نمسك بإزميل الوعي، لإزالة كل ما هو زائف. نحن لا نصنع أنفسنا من العدم، بل نحرر أنفسنا من سجن “الكثرة” لنصل إلى وحدة الجوهر وصفائه.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn