حارس الوعي وصانع المستقبل| ليال امان الدين

يقولون له المعلّم، وينادونها المعلّمة…لكن هل يكفي هذا الاسم ليختصر حقيقتهم؟

هل تختزل هذه الكلمة عالمًا كاملًا من الرّسالة والعطاء؟ لو كان المعلّم مجرّد معلّمٍ فحسب، لاقتصرت مهمّته على شرح الدروس، وترديد ما في الكتب، ونقل المعرفة كما هي بين جدران الصّفوف.

لكنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.فالمعلّم، كما أراه، ليس لقبًا وظيفيًا، بل رسالة حيّة.

إنّه المربّي المحارب، الّذي يقف في الصّفوف الأولى في معركة بناء الإنسان. هو الأب الروحي الّذي يمنح من إنسانيّته قبل أن يمنح من كتابه، ويزرع القيم قبل أن يشرح المنهج، ويُعلّم الحياة قبل أن يُعلّم الحروف.

أمّا المعلّمة… فهي أكثر من معلّمة، إنّها أمٌّ تربويّة حملت الأمومة في قلبها قبل أن تحمل حقيبتها إلى المدرسة. تحتضن العقول الصغيرة بحنانٍ يشبه حنان الأم، وتصوغ الأرواح الغضّة بكلماتٍ قد تبقى في الذّاكرة عمرًا كاملاً.

فمن يعيش في عالم الأجيال القادمة يحمل أمانةً مقدّسة. هو لا يعمل لأجل مهنةٍ عابرة، بل لأجل معنى عظيم. هو لا يكتب دروسًا على اللوح… بل يكتب فصول المستقبل. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تتجلّى عظمة هذا الدّور.

ففي زمنٍ تتسلّل فيه الأفكار عبر الشّاشات، وتحاصر العقول الصغيرة بفيضٍ من السّطحية والضّياع، يقف المعلّم حارسًا يقظًا على بوابة الوعي، يحاول أن يوقظ في تلك العقول شرارة الإبداع، قبل أن تنام في سبات السّخافة.

وهنا يكمن جوهر رسالته…أن يكون نورًا حين يشتدّ الظلام، وصوت حكمةٍ حين تعلو الضّوضاء. وفي عيدكم اليوم، لا تكفي الكلمات لتوفيكم حقّكم، لكنّها محاولة صغيرة لقول ما يستحق أن يُقال.

تحيّة حبّ، وتقدير يليق بعظمة دوركم، وتعظيم لكل يدٍ أمسكت قلمًا فكتبت به أملًا. كونوا دائمًا ذلك الضّوء الذي لا ينطفئ، واختاروا كلماتكم في صفوفكم بعناية، فأنتم تقفون أمام أرواحٍ بريئة، قلوبٍ صغيرة لم تختَر بعد ما ستصبح عليه.

تذكّروا دائمًا…أن الإصلاح قد يبدأ بكلمة رقيقة، أو حضنٍ صادق، أو ابتسامة تشجّع على النهوض. وفي هذا اليوم، لا يسعني إلا أن أقول لكم:شكرًا… بعدد الكواكب في السّماء، وبعدد النّجوم التي تضيء العتمة. تذكّروا كل صباح أنّكم صانعو المجتمعات وبنّاؤو الأجيال، فاجعلوا من صفوفكم قصصًا تربويّة خالدة، ترسخ في الأذهان، تبني الإنسان، وترتقي بالأوطان.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn