خرائط تُرسم وإنسان يُمحى | ليال أمان الدين

تماسكتِ الأرضُ… لا لأنّها بخير، بل لأنّ الانهيار رفاهٌ لا تملكه.

شدّت جذورها في عمق الغياب، كأنّها تستنجد بتاريخٍ يعرف كيف يُخفي وجعه، وأمسكت بأنفاسها طويلًا… طويلًا حدّ الاختناق، ثم كتمت صراخها كي لا يفضحها الصدى.

ساد صمتٌ… ليس هدوءًا، بل وجعٌ مُعلّق بين السماء والتراب، صمتٌ يشبه لحظة ما قبل البكاء… حين تعجز الدموع عن السقوط.وغدًا ..كما يقولون، ستنتهي الحرب.

ستُصافح الأيادي التي لوّثتها الخرائط، وتُعقد الاتفاقيات فوق طاولاتٍ لم تعرف يومًا طعم الخبز اليابس، وتُعلن هدنةٌ تشبه ضمادًا فوق جرحٍ لم يُنظَّف بعد…لكنّ الأرض…الأرض لا تُصدّق.

تئنّ كبركانٍ أُجِّل انفجاره، لا لأنّه خمد، بل لأنّ العالم خاف من صدقه.

وفي لحظةٍ إلهيّة، تدفع السماء بشمسها من خلف الركام، تُشرق… لا ابتهاجًا، بل أداءً لواجب النور.تطلع الشمس… خجولة.

كأنّها تستأذن الحزن قبل أن تُضيء، وتسأل بصمتها: أين أُقيم الآن؟ على أيّ جرحٍ أُسلّط دفئي؟ وأيّ ظلٍّ أتركه ليرتاح؟

فحتّى الطبيعة…لم تعد تعرف كيف تنهض دون أن تطأ ذاكرة الدم.

نبتت الأرضُ… نعم، لكنّها لم تُزهر. كلّ نبتةٍ حملت في عروقها شيئًا من الأحمر، لا لون حياة ..بل أثر حكايةٍ لم تُروَ بعد. كأنّ التراب حفظ أسماءهم… ورفض أن ينساهم.

تقدّمت الشمس نحو الأرض، بصوتٍ يشبه الحنان المتأخّر، وسألتها: كيف حالكِ اليوم؟ فأجابت الأرض…وصوتها يُشبه انكسار المعنى: “حالي… من المحال.

لا زلتُ أسمع ما لا يُسمَع…نوح الأرامل، ارتجاف الأيادي الصغيرة، وصدى أسماءٍ تُنادى ولا تُجيب. انتهت حربُ النار والحديد… نعم، لكن بدأت حربٌ أشدّ خفاءً: حرب الداخل… وحرب الحضيض.

حرب الأسواق حين تُساوِم الجوع، حرب المزارعين حين تُسرق مواسمهم، حرب البائعين حين يُسعَّر الألم، حرب الحاكمين… والمحوّكين، حرب الجائعين… والمتخمين. حربٌ لا تُرى، لكنّها تأكل ما تبقّى من الإنسان.

يقولون: سلام…لكنّ السلام الذي يُوقَّع على الورق، لا يُقيم في القلوب. يقولون: اتفاقيات…لكنّها تشبه أبوابًا مغلقة، خلفها تُعاد كتابة الحروب بصيغةٍ أكثر أناقة. يجتمع القادة…يرسمون خرائط جديدة، يُقسّمون الألم بدقّة، ويُسمّون ذلك: نظامًا عالميًا. وفي جعبتهم…الكثير من الخطط، والكثير من الرّياء، والكثير… من النسيان.

أمّا الإنسانيّة؟ فهي تسكن الأزقّة الضيّقة، في عيون أمٍّ تُخفي دمعتها، وفي يد طفلٍ ما زال يلوّح للحياة رغم كلّ شيء. وأيّ انتصارٍ هذا…إذا كان يُقاس بعدد الناجين، لا بكرامة العيش؟ أيّ سلامٍ هذا…إذا كانت المصانع تُبدع في اختراع ما يُتقن القتل؟ تتقدّم الدول… نعم، لكنّها تتقدّم نحو ماذا؟ حين تُصبح التكنولوجيا يدًا أطول للموت، لا نافذةً أوسع للحياة؟

أنا الأرض…ولا زلتُ أمشي، وفي مسامعي بكاء أجيالٍ لم تولد بعد، وفي صدري دعاء آباءٍ وأمّهات، زرعوا في قلوبهم إيمانًا عنيدًا: أنّ الإنسان… يستحقّ.

وفي عيونهم أمل، ليس أملًا ساذجًا، بل أملٌ يعرف أنّ الحبّ قد لا يوقف حربًا، لكنّه يمنعنا من أن نصبحها. تحت مظلّة اسمها: حقوق الإنسان، ما زالوا يحلمون…أن يُقاتَل الشرّ بطريقةٍ لا تُشبهه.”…وصمتت الأرض.

لكنّ صمتها هذه المرّة، لم يكن خوفًا، بل انتظارًا.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn