لبنان بين صدمة الذاكرة وإعادة إنتاج اللّااستقرار: قراءة في وعي جيلٍ مأزوم | طوني لطيف حرب

تَتَثاقَلُ خُطُواتُنا في الطّريق إلى المُستَقبَل، ونَتَباطأ في اتّخاذ قراراتٍ نَحيا على أمَل تَحْقيقِها في وَطَنٍ آمالُه رَمادِيّة، وسماؤه ضبابِيّة، وأحلامُه سَراب. هل هي حَقًّا لعبةُ الأقدار أم لعبةُ الكِبار؟ لا فَرق، ما دامَت قَواعِدُها مُفاجِئة، وقَوانينُها أنْ تُلعَبَ بِلا قَوانين. مَكْتوبٌ لِلأمِّ، أن تَبقى ثَكْلى ومُكَّدَرةً بالفَقد، تُرَدِّد صَدى حَسرتِها السِّنينُ، ويَتَعالى نَحيبُها لِيَطالَ السَّماءَ ويَعودَ فَيَعلقَ في الهَواء بانتِظار مَن يَسْتَجيبُ لَه، إلى أن يهبطَ أرْضًا وتَدوسَه أَقدامُ النِّسيان وتَدفنَه.

مَن يَستَمِع إلى عَويلِ مَفْجوعَةٍ تَتَمسَّكُ بِشِبهِ حَياة؟ مَن يُصْغي إلى مَهزومةٍ تَعيشُ على قَيْدِ رَجاءٍ في أن تَتَحقَّقَ عدالَةٌ مُتَوارِية؟ مَن يميل أذنه إلى مَكْسورةٍ لَم تَعرف وَلَدًا، إلّا وكان فَقيدًا أو مُغتَرِبًا أو عاطِلًا عن العَمَل؟ مَن عَساه يُخَفِّف وطأة البَلاء عنْها سِوى إلهٍ واحِدٍ يَتَرَأّف من عَلِيِّ مَسكنِه؟

لقد تَبَدَّلَتِ الأحوال يا أمّي، واِختَلَّت قاعِدةُ المَوتِ والحَياة؛ فلم يَعُد الصِّغارُ يَدفنون كِبارَهم، ولَم يَعُد إيقاعُ الوُجودِ مُتَناسِقًا، ولم يَعُد تَناوُبُ الحُضور والغِياب مُنتَظِمًا. للأسَف، بل للسُّخْرِيةِ، إنّ الظّلمَ بات يُحرِّكُ دفّةَ القَدَر يا أمّي، وَيَفرض عَلَيكِ أن تُكَفِّنيني أنتِ بِيَدَيْكِ؛ يَدَيكِ اللَّتَين كانَتا تَهزّان مَهْدي، وَتَمسَحان دَمْعي، وتُداعِبان شَعري، وتُرَبِّتان على كتِفي.

في هذه المُعادَلةِ الشّاذّة، المُتَغَيِّراتُ تتَبَدَّل فَيُصبح الأهل شُهودًا على ما هو غَير مَنطِقِيّ، والثَّوابِتُ تُعانِدُ مُحَوِّلَةً المَوتَ نِهايةً مُبكِرةً للأبْناء.إنَّ جيلَنا، جيلَ الشَّباب، لَجيلٌ مَعْطوبٌ تترّصّده النّوازِل، وتَتَرَبَّص بِه الشّدائد منذ العام 2019. تُفَرِّق بَلاغةُ الأقْدَمين بينَ السَّنَة والعام، فتَجْعل السّنة دَلالةً على القحط والشِّدّة، أمّا العامُ فَلِلفَرَج والرَّخاء.

وفي ميزانِ عُمرِنا، تَعْلو كَفّة السّنين على الأعْوام، ونحن لا نزال في عقدِنا الثّالث! كيفَ لا، ونحن رَمَينا قُبَّعة التّخرُّج في حَفل أزمةٍ اِقتصادِيّة وانهيارٍ للعُملة؟ ومَن كان يُصَدِّقُ أنَّنا، بعد سنةٍ واحِدةٍ فقط، سوف نقضي صَيْفًا مُلتَهِبًا يُحرِق النّفوسَ والأجساد، في انفجار مرفأ بيروت الّذي حطَّمنا به أرقامًا قِياسيّة! نحن شَعبٌ لا يَلتئِمُ لَنا جرحٌ، إلّا ونكأ آخَر.

وكما تترُك الجروح نَدَباتِها في أجسادِنا، كذلكَ تفعل الصّدَماتُ في نُفوسِنا، زارِعةً فيها بُذورَ القَلَقِ من غَدٍ يَرتَهِن بالمُصادَفة، والاكتِئابِ مِن أحلامٍ احتَرَقَت عَنْوةً. «بيروت مَحرومة من نِسيان جرحها»، قالَها محمود دَرويش كأنّه يَعرِفُ أنّ ذاكرةَ الألم في هذه المَدينة، قدَرٌ لا مَهرَبَ مِنه.

إنّ “لا استقرار” هو دائمًا عُنوان المَرحلة. تختلِف المَراحِل والعنوان واحِدٌ. نغفو على أزمةٍ ونَصحو على تَهديد؛ نغفو على تَهديدٍ ونَصحو على تَفجير. نَدور ونَدور ونَعود إلى نقطة البِداية دائمًا. هل صَنَع زكي ناصيف “راجِع يتعمَّر لبنان” لأنّه كان واثِقًا أنّنا سنُعمِّرُه عندَما يُدَمَّر، أم لأنّه كان يَعلَم أنّه سيُدَمَّر كلّما تَعَمَّر؟

هو سُؤالٌ عَبَثِيٌّ يَخطرُ بِبالي، كَعَبَثيّة تَشغيل الأُغنية في كُلِّ مَحفلٍ لِتَذكيرِنا بِحَتمِيّة مصابِنا! تَكتُبُ الصِّحافيّة فاطمة عبد الله، على حِسابِها على منصّة إكس: «لَم تَنتَهِ الحرب. لقد بَقِيَت في جَسَدي. أكتشِف ذلك في كُلّ مرّة يَرتَفع فيها صَوت. بابٌ يُغلَق بقوّة. درّاجةٌ نارِيّةٌ تَعبر الشّارِع. انفجار إطار. حتّى طَرق حادّ على الطّاوِلة».

هذا لِسانُ حالِنا اليَوم وكُلَّ يَوم، فلا وَعيُنا صار مستَودعًا للصّدَمات، ودِماغُنا حفظَ الرّابِط بين الصَّوتِ والخطَر، ورُدود فِعلِنا العَصبيّة هي اِستِجابةٌ اِنفِعالِيّة لخَوفٍ مُكتَسَب. لَيسَت الأصْوات ما يُخيفُنا، إنّما الذّكرى المُستَعادة الّتي ترتَبِط بها. صِرنا نَنبش مَخبأ ذِكرياتِنا حتّى نَقَعَ على ذِكرى لَطيفةٍ تُؤنِسُنا وتَعود بِنا إلى وَقتٍ كُنّا فيه سُعَداء وآمِنين ومُطمَئنّي البال والقَلب، في مُحاوَلةٍ منّا لِتَذكير أنفُسِنا بالوَجه المُضيء لِلحياة، ولِتَكونَ لنا هذه الذّكرى زادًا في المَسير.

لقد أحاطَت بنا الغَشاوة، فصِرنا نَشعُر بأنّ البِدايات أدغِمَت بالنِّهايات، والاِفتِتاحِيّات تماهَت مع الخَواتيم، ونقطة الاِنطِلاق هي نَفسها نقطة الوُصول. نَجتَرُّ شَريطَ حَياتِنا، وكلُّ فَترةٍ تُشبِه سابِقتَها وستُشبِه لاحِقَتَها لا مَحالة. لا نُفَرّق بين اليوم وأمس وغَدٍ، لأنّنا نعيشُ تَكرارًا يتَفَوّقُ على الرّوتين رَتابةً ومَلَلًا. يَمضي بَعضُنا بلا هَدَف، مثل نساء مُتَجَوِّلات في سوقِ الحَريم بلا غاية ولا عزومٍ على الشِّراء؛ نَمضي كلُّنا مُتَماسِكين ظاهِريًّا مُتَزَعزِعين باطِنيًّا؛ نَمضي وقُلوبُنا تُتَرجِم اِنتِحابَها إلى عَبَراتٍ وأدْعِيةٍ تَسْأل: إلى متى يا ربّ؟

مَكتوبٌ لَنا أن نَبقى مُهجَّرين ونازِحين وطَرحى الشّوارِع، وبدَل أن يوقِظَنا صوت الدّيكِ، أو أزيزُ سيّارة جارِنا المُزعِج، أو هَمهَمة أمّنا المتأفّفة من فوضى غرفةِ النّوم، فإنّنا نقفز فَزَعًا على نغمة رَصاصٍ تحذيرِيٍّ في الحَيّ، وهتافاتٍ تَجأَر: «ضبّو الشّناتي… ضبّو الشّناتي» فنُهرَع نُلَمِلمُ بَقايانا، ونَجمَع أشتاتنا، ونحشرها في الشّنطة بين الثّياب والأوراق وما تيَسَّر من المال، شادّين الرّحال إلى المَلاجئ أو إلى ضِيَعِنا الأمّ.

نَرتَحِلُ بِعيونٍ دامِعة وأجسادٍ ثقيلةٍ، وقُلوبٍ سئمَت البَحْث عن مَوطِن؛ نَرتَحِلُ بِحَنين البَدو إلى أرْضٍ لم يَتَجذَّر فيها انتماءٌ حقيقيّ، وبِخَوْفِهم من غدر الصّحراء بزَوبعاتِها الرّمليّة وسرابِها الغاشّ. قبلَ أن نُرخِيَ السّتار على مشاهد الألم والخراب والمَعمَعة هذه، نَتَعَزّى بِقَول القِدّيس پايِيسيوس الآثوسيّ: «كِدتُ أفقدُ صَوابي من ظلم هذا العالَم، لولا عِلمي أنّ الكَلمة الأخيرة ستكون للرّبّ». وَقبلَ انْحِناءَة الخِتام، نُوَجِّه نِداءً إخْوانِيًّا إلى مَن يَعْنيه الأمر: «فِكّو عَنّا بَدنا نْعيش».

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn