معضلة الهجرة في لبنان بين الواجب الوطني وامتحان الواقع | استعراض مقال فاروق غانم خدّاج

نُشر هذا المقال في موقع بيروت تايمز، حيث قدّم الكاتب فاروق غانم خداج معالجة فكرية عميقة لملفّ مشكلة الهجرة في لبنان، واضعًا الخطاب الوطني أمام مرآة الواقع، ومثيرًا سؤالًا جوهريًا يتجاوز الشعارات إلى جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.

ينطلق المقال من فرضية أساسية مفادها أن سؤال الهجرة في لبنان لم يعد خيارًا فرديًا أو قرارًا شخصيًا، بل تحوّل إلى أزمة أخلاقية جماعية تعكس خللًا بنيويًا في العلاقة بين المواطن والدولة. فالكاتب لا يهاجم فكرة العودة، ولا يدافع تلقائيًا عن الهجرة، بل يسعى إلى تفكيك التناقض القائم بين خطاب يدعو المغتربين إلى العودة، وواقع داخلي يعجز عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار.

في صلب الطرح، يضع الكاتب مشكلة الهجرة في لبنان ضمن إطار أوسع من مجرد حركة انتقال جغرافي، ليجعلها مؤشرًا على فقدان الثقة بالمستقبل. فالوطنية، وفق المقال، لا تُختزل في العاطفة أو الحنين أو تكرار مفردات الانتماء، بل تُقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين أفق واضح يمكن التخطيط على أساسه. هنا تتحوّل الدعوة إلى العودة من فعل تعبوي إلى اختبار مؤسساتي: هل توجد دولة قانون؟ هل النظام التربوي والصحي مستقر؟ هل سوق العمل يكافئ الكفاءة أم يخضع لمنطق الواسطة؟

المقال يطرح هذه الأسئلة بلهجة واقعية بعيدة عن الانفعال، ليكشف أن الخطاب السائد حول عودة المغتربين يتجاهل الشرط الموضوعي الأساسي: إصلاح البيئة التي دفعتهم إلى الرحيل. فالمغترب، كما يصوّره الكاتب، لم يغادر طوعًا بدافع الترف أو المغامرة، بل نتيجة انسداد الأفق، وانهيار قيمة العمل، والخوف من مستقبل غير مضمون. وبالتالي، فإن مطالبة هذا المغترب بالعودة من دون تغيير الشروط البنيوية نفسها تمثّل، في نظر المقال، نوعًا من الإنكار الجماعي للأزمة.

يُعيد الكاتب تعريف مفهوم “خشبة الخلاص” التي غالبًا ما تُسقط على المغتربين. فبدل أن يكونوا حلًا سحريًا لإنعاش الاقتصاد ونقل الخبرات، يصبح السؤال المعاكس أكثر إلحاحًا: ماذا يقدّم لبنان اليوم لمن يعود؟ هنا تبرز مشكلة الهجرة في لبنان كنتاج لفشل مؤسساتي لا كخيار شخصي معزول. فالدولة التي لا تضمن الاستقرار القانوني، ولا توفر منظومة خدمات عامة موثوقة، ولا تخلق سوقًا عادلة قائمة على الكفاءة، تفقد قدرتها الأخلاقية على مخاطبة أبنائها بلغة الواجب.

اللافت في المقال أن الكاتب لا ينزلق إلى خطاب عدمي، بل يحافظ على توازن دقيق بين النقد والحرص. فهو لا ينفي قيمة الانتماء، لكنه يرفض تحويله إلى أداة ضغط عاطفي. الانتماء، في رؤيته، ينبغي أن يكون نتيجة بيئة عادلة، لا تعويضًا عن غيابها. وهنا تكمن جوهرية الطرح: الوطنية ليست مطالبةً بالتضحية الدائمة، بل شراكة متبادلة بين الدولة والمواطن.

من زاوية تحليلية، يضع المقال مشكلة الهجرة في لبنان ضمن سياق الانهيارات المتتالية التي جعلت الأفق أقرب إلى سراب يتلاشى مع كل أزمة جديدة. ومع كل خيبة، تتآكل الثقة أكثر، ويتحول الوطن من مساحة أمان إلى عبء نفسي واقتصادي. هذه المقاربة تعكس فهمًا عميقًا للعلاقة بين الاستقرار المؤسسي والاستقرار الوجودي للأفراد.

في خاتمة ضمنية، يترك الكاتب القارئ أمام معادلة واضحة: لا يمكن بناء خطاب عودة من دون إصلاح جذري. فالمغترب الذي وجد في الخارج نظامًا واضحًا وقواعد ثابتة واحترامًا للجهد، لن يعود إلى بيئة غير مستقرة بدافع الحنين وحده. إن معالجة مشكلة الهجرة في لبنان تبدأ بإعادة بناء الثقة، لا بإعادة إنتاج الشعارات.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn