أهمّ ما في حقيبة المدرسة… لا يُباع في المكتبات! المربّية ليال أمان الدين

قبل أن نجهّز الحقيبة… هل جهّزنا الطفل؟ ما الأهم في التربية؟ تحضير الحقائب قبل المدرسة أم التحضير النفسي؟ بدأت التحضيرات المدرسية، وبدأ معها سباق الأهل المعتاد: حقيبة جديدة، قرطاسية، كتب، ملابس، أحذية، علب طعام وقارورة ماء… نرتّب كل شيء بعناية، ونحرص ألّا ينقص أطفالنا أيّ شيء.

لكن وسط كل هذه التفاصيل، هناك حقيبة أهمّ بكثير لا نراها في المكتبات، ولا نستطيع شراءها من أي متجر…إنها الحقيبة النفسية.

فهل حضّرنا أطفالنا فعلًا لما قد يواجهونه داخل المدرسة؟ فالمدرسة ليست مكانًا للتعلّم الأكاديمي فقط؛ إنها مجتمع صغير يشبه الحياة. فيها الصداقة والرفض، التعاون والخلاف، النجاح والفشل، المنافسة والتحديات، الفرح والحزن، وربما مواقف لا يعرف الطفل مسبقًا كيف يتعامل معها.

ولهذا، فإن أهم ما يمكن أن نقدّمه لطفلنا قبل أن يدخل باب المدرسة هو ألّا نخبره فقط:«انتبه على أغراضك، ادرس جيدًا، لا تتأخر، واسمع كلام المعلّمة». بل أن نساعده على امتلاك الأدوات التي ستجعله قادرًا على التعامل مع الحياة المدرسية بوعي وثقة.

ماذا لو بدأنا بتحضير “الحقيبة النفسية”؟

1. ندرّبه على مواجهة الرفض: قد يعود طفلنا يومًا إلى المنزل حزينًا ويقول: «رفيقي ما بدّه يلعب معي.» الردّ السريع قد يكون: «ولا يهمك، هو الخسران!» لكننا بذلك نضيّع فرصة تربوية ثمينة. بدلًا من ذلك، يمكن أن نقول: «أكيد زعلت عندما قال لك ذلك. ماذا شعرت؟ وماذا يمكنك أن تفعل؟»

هنا يمكن استخدام تقنية WDEP بصورة مبسّطة مع الطّفل:

W – ماذا تريد؟ «كنت تريد أن تلعب معه، صحيح؟»

D – ماذا حدث؟ «ماذا فعلت عندما رفضك؟»

E – هل نجح هذا التصرف؟ «هل جعلك تشعر أفضل؟»

P – ماذا يمكن أن تفعل في المرة المقبلة؟ «هل يمكنك أن تسأل طفلًا آخر؟ أو تقترح لعبة مختلفة؟»

نحن لا نعلّمه أنّ الرّفض لا يؤلم، بل نعلّمه أن الألم لا يعني العجز.

2. نعلّمه لغة المشاعر: من أهم المهارات التي يحتاجها الطفل في المدرسة أن يعرف ماذا يحدث داخله. بدل أن نقول له دائمًا: «لا تزعل» أو «ما في شي بيستاهل»، نساعده على تسمية الشعور: «هل أنت حزين؟ غاضب؟ محرج؟ خائف؟ منزعج؟ خائب الأمل؟» هذه التقنية تُعرف بـ تسمية المشاعر (Emotion Labeling). كلما امتلك الطفل مفردات أكثر لوصف مشاعره، أصبح أكثر قدرة على التعبير عنها بدل تحويلها إلى صراخ أو ضرب أو انسحاب. يمكن للأهل ممارسة ذلك يوميًا من خلال سؤال بسيط:«لو كان شعورك اليوم لونًا، أي لون سيكون؟ ولماذا؟»

3. ندرّبه على حل المشكلات بدل حلّها عنه.: من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يتدخل الأهل بسرعة في كل مشكلة. إذا اختلف الطفل مع صديقه، نتّصل بالأهل.إذا لم يفهم سؤالًا، نعطيه الجواب. إذا خسر في مسابقة، نبحث عن سبب الخسارة ونلوم الآخرين. لكنّ التّربية لا تعني أن نزيلَ كلّ العقبات من طريق الطّفل؛ بل أن نعلّمه كيف يعبرها. يمكن استخدام تقنية حلّ المشكلات من خلال الأسئلة الخمسة: ما المشكلة؟ماذا شعرت؟ ما الخيارات أمامك؟ ماذا قد يحدث مع كل خيار؟ ما الحل الذي تختاره؟ بهذه الطريقة ننتقل من:«أنا سأحلّها لك»إلى:«أنا سأساعدك على أن تتعلّم كيف تحلّها.»

4. نعلّمه أن المنافسة ليست قيمة الطفل: في المدرسة سيحصل طفل على علامة أعلى، وآخر سيفوز بالمسابقة، وثالث سيكون أسرع منه أو أكثر مهارة. وهنا نحتاج إلى تغيير الرسالة التي تصل إلى أطفالنا. بدل:«لازم تكون الأول.»نقول: «المهم أن تعرف ماذا تعلّمت، وكيف تطورت عن المرة السابقة.» وهنا يمكن استخدام مفهوم عقلية النمو (Growth Mindset): «لم تنجح بعد» بدل «أنت لا تستطيع». فالخطأ ليس إعلانًا عن فشل الطفل، بل معلومة تساعده على معرفة ما يحتاج إلى تطويره.

5. ندرّبه على طلب المساعدة: طفلنا لا يحتاج فقط إلى معرفة كيف يدافع عن نفسه؛ بل يحتاج أيضًا إلى معرفة متى يطلب المساعدة ومن يطلبها. نعلّمه أن هناك فرقًا بين:موقف بسيط يمكنني التعامل معه بنفسي، وموقف متكرّر أو مؤذٍ أو مخيف يحتاج إلى تدخّل شخص بالغ. يمكن أن نعلّمه قاعدة: «جرّب أن تحلّ المشكلة، وإذا لم تستطع أو شعرت أنك غير آمن، اطلب المساعدة.» ونتدرّب معه على جملة واضحة: «أنا لا أحب هذا التصرف، من فضلك توقّف.» ثم:«إذا لم يتوقف، سأطلب مساعدة المعلّمة.» بهذه الطريقة نعلّمه الحزم دون عدوان.

تقنية أخرى مهمة: “لعب الأدوار قبل بدء المدرسة” يمكن للأهل أن يحوّلوا مواقف الحياة المدرسية إلى لعبة.مثلاً: الأم: «أنا زميلتك، وقلت لك: لا أريد أن ألعب معك. ماذا ستفعل؟» ثم نبدّل الأدوار. مرة نكون نحن الطفل، ومرة يكون الطفل هو المعلّم أو الصديق. يمكن أن نتدرّب على مواقف مثل: ماذا تفعل إذا رفضك أحد؟ ماذا تفعل إذا أخطأت أمام الصف؟ ماذا تقول إذا سخر منك أحد؟ ماذا تفعل إذا تشاجرت مع صديق؟ ماذا تفعل إذا لم تفهم الدرس؟ كيف تطلب المساعدة؟ ماذا تفعل إذا خسرت في مسابقة؟ نحن هنا لا نزرع الخوف من المدرسة؛ نحن نبني الاستعداد للحياة. والأهم: أن يشعر الطفل أن البيت مكان آمن.

قد يواجه الطفل في المدرسة عشرات المواقف، لكنّ السّؤال الحقيقي ليس: «هل سيواجه مشاكل؟»بل: «هل يعرف أنه يستطيع العودة إلينا عندما يواجه مشكلة؟» الطّفل الذي يخشى رد فعل أهله قد يخفي التّنمر، أو الفشل، أو الخوف، أو الرّفض. أما الطّفل الذي يسمع: «يمكنك أن تخبرني بما حدث، حتى لو أخطأت. سأساعدك على التفكير، ولن أبدأ بالصّراخ.» فهو يتعلّم أنّ طلب المساعدة ليس ضعفًا.

إذًا… ماذا نضع في الحقيبة؟ قبل أن نسأل:«هل اشترينا كل ما يحتاجه الطّفل؟» فلنسأل أنفسنا: هل وضعنا في حقيبته…الثقة؟المرونة؟ القدرة على التعبير عن المشاعر؟ احترام الآخر؟ تقبّل الاختلاف؟ مهارة حل المشكلات؟ القدرة على تقبّل الرفض؟ الحزم دون عدوان؟ القدرة على طلب المساعدة؟ والقدرة على المحاولة بعد الفشل؟ هذه الأشياء لا تُباع في المكتبات، لكنها ربما تكون أهم ما يحتاجه طفلنا في المدرسة وفي الحياة.

فالحقيبة التي نحملها على أكتاف أطفالنا قد تكون ثقيلة بالكتب…لكن الحقيبة التي نحملها في داخلهم يجب أن تكون مليئة بالأدوات التي تساعدهم على مواجهة الحياة. لأننا لا نربّي أطفالًا ليجتازوا عامًا دراسيًا فقط…نحن نربّي إنسانًا سيخرج يومًا إلى مجتمع أكبر بكثير من المدرسة.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.