لم تعد المدرسة تواجه منافسة من مؤسسات تعليمية أخرى فحسب، بل من مصادر معرفة وتأثير تعمل خارج أسوارها، وتصل إلى الطالب عبر الهاتف والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي الوقت الذي ما زالت فيه مؤسسات تعليمية كثيرة تعتمد أساليب تقليدية في التدريس والتقييم، يتلقى الطالب يومياً كماً هائلاً من المعلومات والصور والأفكار، ويتنقل بين محتويات متباينة في جودتها وأهدافها، من دون أن يمتلك دائماً الأدوات اللازمة للتمييز بين المعرفة والمعلومة العابرة، أو بين الحقيقة والتضليل.
لم تعد المدرسة تحتكر نقل المعرفة، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها أو مقاومتها بالحنين إلى الماضي. لكن السؤال الأهم هو: هل استطاعت أن تطور دورها بما يتناسب مع هذا التحول؟ فالمطلوب منها لم يعد مجرد إيصال المعلومات إلى الطالب، بل تعليمه كيف يفحصها، ويتحقق من مصادرها، ويربط بينها، ويستخلص منها موقفاً أو حلاً. وإذا كانت التكنولوجيا قادرة على تقديم إجابات سريعة، فإن المدرسة مطالبة بتعليم الطالب كيف يصوغ السؤال الصحيح، وكيف يختبر الإجابة قبل أن يطمئن إليها.
في أحد الصفوف، قد يشرح المعلم درساً أعده بعناية، بينما يتابع بعض الطلاب هواتفهم تحت الطاولة، وينتظر آخرون انتهاء الحصة ليعودوا إلى منصاتهم المفضلة. لا يتعلق الأمر هنا باتهام جيل كامل بقلة الاهتمام، بل بفهم طبيعة المنافسة التي دخلتها المدرسة. فالمنصات الرقمية تعرف كيف تجذب الانتباه، وتستخدم الخوارزميات لتقديم محتوى متجدد ومصمم وفق اهتمامات المستخدم، فيما لا تزال بعض الحصص تعتمد إيقاعاً تعليمياً لا يراعي اختلاف قدرات الطلاب وحاجاتهم وأساليب تعلمهم.
وتقدم نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA 2022) مؤشرات تستحق التوقف عندها. فقد أفاد نحو 30 في المئة من الطلاب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنهم يتشتتون باستخدام الأجهزة الرقمية في معظم دروس الرياضيات أو جميعها. كما سجل الطلاب الذين أفادوا بأنهم يتشتتون هم أنفسهم بسبب استخدام هذه الأجهزة في معظم الدروس أو جميعها درجات أقل بنحو 15 نقطة في الرياضيات مقارنة بمن لا يتشتتون أو نادراً ما يتشتتون، بعد احتساب الفوارق المرتبطة بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للطلاب والمدارس. ولا تثبت هذه العلاقة الإحصائية وحدها السببية، لكنها تكشف أن البيئة الرقمية داخل الصف ليست مسألة هامشية، وأن إدارة الانتباه أصبحت جزءاً من مسؤولية المدرسة.
وفي تقرير رصد التعليم العالمي لعام 2023، طرحت اليونسكو سؤالاً جوهرياً حول التكنولوجيا في التعليم: أداة وفق شروط مَن؟ فالتكنولوجيا ليست حلاً بذاتها، ولا يؤدي إدخال الأجهزة والمنصات إلى المدرسة تلقائياً إلى تحسين التعلم. تتوقف قيمتها على الغاية التربوية التي توظف من أجلها، وعلى قدرة المعلم والمؤسسة على استخدامها، وعلى مدى ملاءمتها لحاجات المتعلمين. وقد تتحول إلى عبء إضافي إذا دخلت الصف من دون رؤية واضحة، أو إذا أصبحت غايتها استعراض الحداثة لا تطوير العملية التعليمية.
وفي لبنان، تكتسب هذه الأسئلة بعداً أكثر إلحاحاً، في ظل الأزمات الاقتصادية والتربوية التي أصابت المدرسة الرسمية والخاصة على السواء. وتقدم مبادرة «مدرستي» مثالاً على محاولات إدخال التكنولوجيا في البيئة التعليمية. فبحسب تقرير مكتب اليونيسف للبحوث – إينوشنت الصادر في كانون الثاني 2026، شملت المبادرة 14 مدرسة رسمية، و2432 طالباً، و285 معلماً من الصفين السادس والسابع في مواد الرياضيات والعلوم واللغات. وهذه الأرقام تحدد نطاق المبادرة وحجم المشاركين فيها، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على أثرها التعليمي أو اعتبارها دليلاً على نجاح التجربة. فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت قد حسّنت مهارات الطلاب، ورفعت جودة التدريس، وقلّصت الفجوات بين المدارس.
غير أن أي حديث عن إصلاح المدرسة لا يمكن أن يتجاوز المعلم. فهو العنصر الذي تتقاطع عنده المناهج والتكنولوجيا وحاجات الطلاب، وهو الذي يُطلب منه مواكبة التحولات التربوية، واستخدام الأدوات الرقمية، ومعالجة الفوارق الفردية، وتحقيق نتائج أفضل، في وقت يعاني فيه كثيرون ضعف الأجور وتزايد الأعباء الإدارية ومحدودية فرص التدريب والاستقرار المهني. ومن غير المنصف أن نطالبه بتغيير التعليم من دون أن نوفر له شروط هذا التغيير.
يبدأ دعم المعلم بتخفيف الأعمال الإدارية التي تستنزف وقته ولا تضيف قيمة مباشرة إلى التعلم، وتخصيص وقت مدفوع للتخطيط والتطوير وتبادل الخبرات، وتوفير تدريب عملي داخل المدرسة لا يقتصر على المحاضرات النظرية، إلى جانب إتاحة موارد تعليمية مناسبة وتمكينه من المشاركة في تطوير المناهج وأساليب التقييم. كما ينبغي أن تقوم مساءلته على معايير عادلة تراعي ظروف المدرسة والطلاب والموارد المتاحة، لا أن تُحمّله وحده مسؤولية نتائج تصنعها عوامل متعددة. وفي المقابل، يبقى على المعلم أن يراجع أساليبه، وأن يتعامل مع التطور المعرفي والتقني باعتباره جزءاً من مهنته لا تهديداً لمكانته.
وتظهر الأزمة أيضاً في طبيعة المناهج وأساليب التقييم. فما زالت بعض الممارسات التعليمية تمنح الأولوية لاسترجاع المعلومات، وتكافئ الطالب الذي يحفظ الإجابة أكثر مما تكافئ من يحللها أو يناقشها أو يوظفها في موقف جديد. وحين تصبح العلامة هي الغاية الأساسية، يتراجع الفضول، ويغدو التعلم عبئاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء الامتحان. المطلوب ليس إلغاء المعرفة أو التقليل من أهمية اكتسابها، بل الانتقال من قياس ما يتذكره الطالب فقط إلى قياس قدرته على الفهم والتفسير والبحث والتطبيق والمناقشة.
ولا يمكن فصل هذه المسألة عن دافعية الطالب نفسه. فبعض الطلاب لا يرون صلة واضحة بين سنوات الدراسة والفرص التي تنتظرهم، ولا سيما حين يشاهدون نماذج تحقق الشهرة والدخل عبر المنصات الرقمية من دون مسار تعليمي طويل. وتزداد هذه الفجوة عندما يشعر الطالب بأن جهده لا يحظى بالتقدير، أو حين يقارن نفسه باستمرار بأقرانه وبأصحاب الحضور الواسع على وسائل التواصل. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع اهتمامه بالتعلم، لا لأنه يرفض المعرفة بالضرورة، بل لأنه لم يعد يرى أثرها في حياته ومستقبله. وهنا تصبح مهمة المدرسة أن تعيد وصل التعلم بالواقع، وأن تساعد الطالب على اكتشاف قدراته، وتمنحه خبرات يشعر من خلالها بقيمة ما يتعلمه وبقدرته على استخدامه.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد أضاف إلى الأزمة سؤالاً جديداً: ماذا يبقى من الواجب المدرسي حين يستطيع الطالب الحصول على إجابة متكاملة خلال ثوانٍ؟ إن حظر هذه الأدوات بصورة مطلقة لا يبدو خياراً تربوياً مستداماً، كما أن ترك استخدامها بلا ضوابط يفرغ التعلم من مضمونه. المطلوب هو إعادة تصميم المهمات التعليمية بحيث لا تكون الإجابة النهائية وحدها موضع التقييم، بل مراحل البحث، وطريقة اختيار المصادر، والقدرة على التحقق من المعلومات، والمناقشة الشفهية، وتفسير القرارات التي اتخذها الطالب. وينبغي أيضاً تعليمه حدود هذه الأدوات، واحتمالات الخطأ والتحيز فيها، وضرورة حماية الخصوصية واحترام الملكية الفكرية.
وفي موازاة ذلك، يفرض اقتصاد الشهرة نفسه على وعي الطلاب وتصوراتهم للمستقبل. فبعض المنصات تمنح حضوراً واسعاً لأشخاص لا يرتبط نجاحهم بالضرورة بمعرفة متخصصة أو إنجاز معرفي، وتقدم أحياناً صورة مبسطة عن النجاح تقوم على سرعة الانتشار وعدد المتابعين. وليس المقصود التقليل من قيمة العمل الفني أو الإبداعي أو صناعة المحتوى، فهذه مجالات تتطلب مهارات وجهداً وقد تنتج أعمالاً ذات قيمة حقيقية. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهرة معياراً وحيداً للنجاح، وعندما يختلط الظهور بالإنجاز، والانتشار بالقيمة، والدخل السريع بالمسار المهني المستدام.
وهنا تبرز مسؤولية المدرسة في بناء وعي نقدي لا يخاصم العالم الرقمي ولا يستسلم له. عليها أن تفتح نقاشاً حول مصادر التأثير، ومعايير النجاح، وقيمة العمل والمعرفة، وأن تساعد الطلاب على فهم أن تعدد المسارات المهنية لا يلغي أهمية التعلم، وأن المهارة الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاهدات وحده. فالمطلوب ليس إعداد جيل يرفض التكنولوجيا، بل جيل يستطيع استخدامها من دون أن يفقد استقلاله في التفكير والاختيار.
ويضاف إلى ذلك خطر تسويق التعليم حين تتحول المدرسة إلى مؤسسة تقيس نجاحها بعدد المسجلين والإيرادات والصورة الإعلانية، بدلاً من جودة المخرجات التعليمية. فالاستثمار في التعليم ضرورة، وإدارة المؤسسات التعليمية تحتاج إلى موارد واستدامة مالية، لكن ذلك لا ينبغي أن يجعل الطالب مجرد مستهلك، أو يحوّل الشهادة إلى منتج منفصل عن الكفايات التي يفترض أن تعكسها. إن قيمة المؤسسة التعليمية تُقاس بما يتعلمه طلابها، وبما يكتسبونه من مهارات ومعارف وقدرة على المشاركة في المجتمع، لا بما تنجح في تسويقه فقط.
إن استعادة المدرسة لدورها لا تحتاج إلى شعارات كبيرة بقدر ما تحتاج إلى خطوات واضحة. تبدأ بمراجعة المناهج وتقليل الحشو، وإدخال مهمات تعليمية تقوم على التحليل والبحث وحل المشكلات، وتطوير أساليب التقييم بحيث تقيس الفهم والتطبيق لا الاستظهار وحده. وتتطلب وضع سياسة واضحة لاستخدام الهواتف والأجهزة داخل الصف، وتدريب المعلمين على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في سياقات تعليمية محددة، مع تخصيص وقت وموارد لهذا التدريب. كما تقتضي إعطاء المدارس الرسمية الأقل حظاً أولوية في التجهيز والدعم، حتى لا تتحول الفجوة الرقمية إلى فجوة تعليمية أعمق.
ومن الضروري أن تقترن هذه الخطوات بمؤشرات قابلة للقياس، تتابع تطور مهارات القراءة والرياضيات والعلوم، وقدرة الطلاب على البحث والتحليل والتعبير، ومدى تحسن البيئة الصفية ومشاركة المتعلمين. ويمكن البدء بخطة تجريبية خلال عام دراسي واحد في عينة من المدارس، ثم تقييم نتائجها قبل تعميمها. فالإصلاح الذي لا يقيس أثره قد يتحول إلى سلسلة من القرارات الجيدة في ظاهرها، من دون تغيير ملموس في حياة الطالب.
السؤال لم يعد ما إذا كان عصر المدارس قد انتهى، بل أي مدرسة تستحق أن يبقى لها مكان في المستقبل. فالمدرسة التي لا تستطيع أن تميّز بين ما يعرفه الطالب وما يفهمه، ولا بين ما ينتجه وما ينسخه، ولا بين شهرته وقدرته، لن تعالج أزمة التعليم مهما حدّثت مبانيها. أما المدرسة التي تجعل من التفكير والتحقق والإنتاج معايير للتعلم، وتمنح المعلم شروط أداء مهنته، وتعيد إلى الطالب ثقته بقيمة المعرفة، فهي التي تملك مبرراً حقيقياً لوجودها.



